المشكلة في تعز لم تبدأ عندما سقطت الكدحة في 2 سبتمبر، بل بدأت قبل ذلك بكثير، وتحديدًا عندما جرى التعامل مع قيادة الجبهة باعتبارها مسألة نفوذ داخلية وليست مسألة حرب وجودية.
منذ وصول اللواء يوسف الشراجي إلى تعز في 3 أبريل 2026م كان واضح تمامًا بأن الصدام بينه وبين قيادة محور تعز ليس صدام على تكتيك عسكري حريص على حماية تعز، بل امتداد لصراع قديم يعود إلى 2016م.
حين كان الشراجي قائد للمحور، وعندما جاءت لحظة سقوط الكدحة ظهر أثر ذلك الصراع في أخطر مكان ممكن، على خط النار، حيث رفض محور تعز القتال تحت قيادة الشراجي، لأنه اعتبر تعيينه قرار خارجي سعودي مفروض عليه، وهكذا دخل الحوثي إلى المعادلة مستفيدًا من انقسام كان يفترض أن يختفي بمجرد ظهور الخطر الحوثي.
ولا يمكن قراءة وصول اللواء السابع من درع الوطن بقيادة عبدالله رزيق في 6 أكتوبر وتمركزه في مفرق الشراجة باعتباره مجرد تعزيز عسكري إضافي، كان وجود هذه القوات هو الفاصل الحقيقي الذي أوقف مسار كان يمكن أن يدفع الحوثيين نحو البيرين ويجعل تعز أمام حصار أكثر اكتمالاً قبل شهر من الآن، وهذه المفارقة تكشف جوهر الأزمة، فحين غابت وحدة القرار العسكري في تعز، كان على قوات من خارج بنية الصراع المحلي أن تأتي لتسد الفراغ الذي صنعته الخلافات الداخلية.
ثم جاء سقوط الساحل الغربي والوصول إلى باب المندب ليكشف عمق الخلل أكثر، تدخل الرئيس شخصيًا وانتهى الأمر بتنازل اللواء يوسف الشراجي عن قيادة جبهة تعز وقبول تعيين سالم كقائد عام لها استجابة لمطالب قيادة الإصلاح في تعز.
وبعد إبعاد الشراجي عن القيادة العامة لجبهة تعز، تحول إلى رجل لإدارة المخازن، فيما قرار صرف السلاح أصبح بيد سالم مباشرة، وحركة الأموال والقرار العملياتي بتوجهاته، وعندما أغلق الحوثيين جبهة الكدحة وفتحوا جبهة بني عمر، انتقل سالم مباشرة إلى هناك بقوة كبيرة لمنع السقوط.
وفي تلك الأثناء وبعد انسحاب الجبولي قائد محور طور الباحة، جرى تسليم 3 آلاف قطعة سلاح مع ذخائرها لما للمقاومة الشعبية بهدف استعادة بني عمر، ثم جاء الأول من أكتوبر ووسع الحوثيين هجومهم إلى تسعة محاور حول تعز، وبأوامر خطية من سالم خرجت 75 طقم عسكري مذخر و12 مدرعة بحجة دعم الجيش والمقاومة وصد الهجوم وهو الدعم الذي خرج ولم يظهر أثره في الميدان، وفي دعم المقاتلين.
في 3 أكتوبر بدأت الجبهات في الانهيار. انسحب سالم وقواته من دبع والمقارمة، وبدلاً من أن يتحول القرار إلى محاولة لإعادة بناء خط دفاع أو تثبيت ما يمكن تثبيته، أصبح البحث عن بقية المخازن أولوية بحجة مخاوف سالم من أن تقع في يد الحوثيين.
وقد اتجه سالم مباشرة نحو الشراجي وانتهى الأمر بتسليمه ثلاثة مخازن في التربة والنشمة وجبل حبشي وهي كل ما تبقى، ونقل جزء كبير من العتاد إلى المدينة، قبل أن ينسحب سالم من الحجرية تاركًا خلفه جغرافيا تقارب مئة كيلومتر دخلها الحوثيين دون مقاومة تتناسب مع حجمها وأهميتها.
وهنا بالضبط تتغير طبيعة السؤال، فلا يعود السؤال لماذا سقطت الحجرية، ولا لماذا انهارت الجبهة، فهذه حقيقة هي أسئلة النتيجة، والسؤال الأخطر هو كيف تحولت القوة التي كانت موجودة للدفاع عن الأرض إلى قوة منشغلة بحماية السلاح بعد سقوط الجبهات؟





