الأزمة في اليمن لم تعد عارضاً بل تحولت الى بيئة حيوية، فالمجتمع اليمني دخل طور التكيف السلبي حيث يتم انتاج المعاناة بوصفها مبرراً لاستمرار النفوذ للفواعل المحليه، النتيجة هي أن أي حلول سياسيه يقودها رئيس أي جمهورية العليمي أو رئيس الوزراء الزنداني أو أي حل خارجي، تصطدم بمقاومة نفسية جماعية ،تميل إلى الابقاء على وضع الممانعة القائمة، لإنه مألوف مقارنة برعب المجهول الذي يفرضه التغيير الحقيقي.
نظرية القدر في سياق التحليل النفسي ليست فكرة دينية كما قد تبدو للقارئ في الوهلة الاولى، بل هي (طريقة يفسّر بها العقل البشري تكرار أنماط معينة في الحياة ،وكأنها مكتوبة سلفًا) وفق هذه النظريه تقدم الحالة اليمنية مختبراً مثالياً لفحص ما يسمى في التحليل النفسي بقدر الفرد او قدر الجماعة، وهو المفهوم الذي طوره" سيجموند فرويد" تحت مسمى اكراه التكرار.
في هذا السياق لا يعرف القدر بوصفه ميتافيزيقاً غيبية بل بوصفه بنية نفسية ثقافية صلبة، تفرض على الفاعلين تكرار نفس المسارات الفاشله او الانهزامية مع توهمهم بأنهم يصنعون فعلاً ثورياً جديداً.
الفعل السياسي في اليمن بدءاً من ثورة سبتمبر واكتوبر وصولاُ الى انتفاضة فبراير وما تلاهما، لا يقاد بغاية التغيير الهيكلي بقدر ما يقاد بغاية استعادة التوازن المفقود داخل النمط القديم نفسه، على سبيل المثال لا الحصر غاية التفاف الهاشميون حول فرد المنقذ (السيد) العفافيش حول فرد المنقذ(الزعيم) والانتقاليين حول فرد المنقذ (القائد) والسلفيين حول فرد المنقذ(الشيخ) والاصلاحيين حول فرد المنقذ (الاستاذ).
هذا ليس قصوراً في الوعي الديمقراطي فحسب، بل هي غاية نفسية تهدف الى تجنب القلق الناتج عن" الحرية" فالمجتمع يهرب من تعقيد بناء المؤسسة التي تتطلب مسؤولية جماعية الى الاب الرمزي ،الذي يحمل عبء الخطيئة والفشل.
والغاية هنا هي الحفاظ على اللا مسؤولية الجماعية، فالعودة الى القبيلة او المذهب او الحزب عند كل ازمة ،ليست نكوصاً عفوياً، بل هي غاية استراتيجية لتدبير الخوف، إذ تعمل الهويات الفرعيه كدروع نفسية، تحمي الفرد من ذوبان كينونته في فوضى الدولة المنهارة
(الجينات الثقافية اليمنيه ) هنا تعمل كبرمجية حماية تنشط تلقائيا ،بمجرد استشعار خطر وجودي مما يجعل الدولة مجرد كيان هش لا يصمد امام (القدر الثقافي المتجذر وما يظهر كحتمية تاريخية في اليمن هو في الواقع نص تحت شعوري مكتوب بجينات ثقافية ترفض التفكيك) في التحليل النفسي.
والذي بقوم أن المريض يكرر التجربة الصدمية بدلا من تذكرها ومعالجتها ،اليمن كبنية جمعية يكرر صدمة السلطة الابوية والمركزية القبلية او سلطة الفرد الواحد أو الحزب الواحد في كل دورة سياسية.
فالجينة الثقافية للمغالبة _النمط ان اليمني _ لا يعترف بالعقد الاجتماعي القائم على التنازل بل بعقد الاذعان، هذه الجينة تحول كل محاولة للتغيير الى مجرد احلال ؛حيث يحل مستبد محلي محل مستبد سابق وفاسد محل فاسد وانتهازي محل انتهازي إلى اخره .
وتظل البنية العميقة للسلطة قائمة على الاستحواذ لا الشراكة ، في نظريه القدر في التحليل النفسي كمسار حياة تماما كما يساق الفرد لتكرار زيجات فاشلة او خيارات مهنية مدمرة، بسبب مسار وضع في طفولته يسوق العقل الجمعي اليمني لتكرار سيناريو الاقصاء، القدر هنا هو تراكم اللا وعي الذي يجعل اليمني يرى في الاخر تهديداً يجب الغاؤه لا شريكا يجب التعايش معه،
وهذا مايعني استحالة تغيير ما نحن عليه اليوم بالقيادات العليا للدولة وحدها ،مهما وصلت من الكفائة والنزاهة دون تفكيك المخيال الثقافي، وهنا اعتقد أن التغيير الذي لا يمس الجينة الثقافية التي تقدس القوة وتزدري القانون ،هو مجرد تأجيل للانفجار القادم.
تحول الاستثناء الى طبيعة ثابته، فعندما يفقد المجتمع حساسيته تجاه الخلل ،مثل سيطرة سلطات الامر الواقع ضد الدوله و هيمنة السلاح ،هذا يشرعن القدر المشوه، النتيجة هي نشوء انسان التكيف، الذي لا يبحث عن مخرج من البئر، بل يبحث عن كيفية تأثيثه.
كسر القدر اليمني لا يتطلب ثورة في الشوارع بقدر ما يتطلب ثورة في ادراك التفكيك يبدأ من الاعتراف بان العدو ليس طرفا سياسيا فحسب، بل هو النمط الكامن في داخل الجميع طالما بقيت القصة تروى بنفس الادوات النفسية، البحث عن المنقذ والاحتماء بالهوية الفرعيه وتقديس المغالبة، لذا المستقبل لن يكون الا ماضياٍ يعاد عرضه بجودة أعلى ، وللخروج من القدر هو الانتقال من فعل التكرار الى فعل التذكر ثم المعالجة





