تشهد الجاليات اليمنية في أوروبا، وعلى وجه الخصوص في ألمانيا، حالة متصاعدة من الاستياء نتيجة الممارسات الإدارية التي تقوم بها القنصلية اليمنية في فرانكفورت، والتي تحولت – بحسب شكاوى متكررة – من جهة خدمية يفترض أن تسهّل حياة المواطنين، إلى عبء ثقيل ووكرا للفساد يعرقل حقوقهم الأساسية ويقيد حركتهم..
إن جواز السفر، وفقا للقانون الوطني والمعايير الدولية، ليس مجرد وثيقة إدارية تمنح أو تُحجب وفق مزاج إداري، بل هو حق قانوني أصيل، يرتبط ارتباطا مباشرا بحرية التنقل، والعمل، والتعليم، والتواصل الأسري. وما يقوم به القنصل هو تعطيل لهذا الحق دون مبرر قانوني واضح، فإن الأمر يتجاوز كونه خللا إداريا، ليصبح انتهاكا صريحا لمبادئ الحقوق..
لقد برزت في الآونة الأخيرة شكاوى موثقة من مواطنين يمنيين في أوروبا تفيد بوجود تأخيرات غير مبررة في إصدار أو تجديد جوازات السفر، واشتراطات تعجيزية يقوم به القنصل، في ظل غياب للشفافية في الإجراءات، فضلا عن التعامل الانتقائي الذي يثير شبهات التمييز أو الاستغلال السياسي. مثل هذه الممارسات، تمثل إساءة مباشرة لاستخدام السلطة الإدارية، وتحويلها إلى أداة ضغط أو عقاب على خلفيات لا علاقة لها بالقانون..
وتزداد خطورة هذه الإشكالية بالنظر إلى أن قنصلية فرانكفورت تعد مركزا رئيسيا لإصدار الجوازات لليمنيين في معظم الدول الأوروبية، ما يجعل أي خلل فيها ذا أثر واسع النطاق، يطال آلاف المواطنين ويؤثر على حياتهم اليومية، من الإقامة والعمل إلى الدراسة والسفر ..
إن استمرار هذا الوضع يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام البعثات الدبلوماسية اليمنية بواجباتها تجاه المواطنين، وحول آليات الرقابة والمساءلة داخل البعثات. فالقنصليات ليست كيانات مستقلة عن القانون، بل هي امتداد لسلطة الدولة، وملزمة باحترام الدستور والحقوق المكفولة فيه..
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها اليمن، من حرب مستمرة وانهيار اقتصادي حاد، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة تقييم شاملة للبعثات الدبلوماسية في الخارج، ليس فقط من حيث الأداء، بل أيضا من حيث الجدوى والتكلفة. فمن غير المقبول أن تستمر بعثات تستهلك موارد شحيحة دون أن تقدم خدمات فعالة للمواطنين، أو – الأسوأ – أن تتحول إلى مصدر معاناة لهم..
وعليه، فإن الدعوة إلى إغلاق القنصلية اليمنية في فرانكفورت لم تعد مجرد مطلب احتجاجي، بل أصبحت طرحا واقعيا يستند إلى اعتبارات قانونية واقتصادية وإدارية. إذ يمكن الاكتفاء بالقنصلية الموجودة في برلين، مع إعادة هيكلتها وتزويدها بالكفاءات والموارد اللازمة لتقديم خدمات مركزية فعالة وشفافة لكافة أبناء الجالية في أوروبا..
إن إغلاق القنصلية في فرانكفورت في هذه المرحلة ليس ترفا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، وهو خيار من شأنه أن يساهم في ترشيد الإنفاق، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج..
في النهاية، تبقى كرامة المواطن وحقوقه هي المعيار الحقيقي لنجاح أي مؤسسة رسمية. وأي ممارسة تمس هذه الحقوق، سواء بالتعطيل أو التقييد غير المبرر، يجب أن تواجه بالمحاسبة والإصلاح، لا بالتجاهل أو التبرير. فالدولة التي تعجز عن حماية حق مواطنيها في وثيقة سفر، تعجز بالضرورة عن ادعاء احترامها لسيادة القانون، وهي دعوة لوزير الخارجية لفتح تحقيق حول الأموال التي تدخل إلى القنصلية وكيف يتم استخدامها ومن يستفيد منها..





