حديث اللحظة في المنطقة دولياً هو قرار دولة الإمارات الانسحاب من مجموعتي أوبك وأوبك بلس ،بديهي أن اليمن ليست سرة هذا الكوكب، وإن كانت كذلك في عيوني، إلا أن اهتمامي بالتحولات السياسية والاقتصادية العالمية يقتضي مني النظر إلى ما سيقع على اليمن ورؤوس اليمنيين من وراء هذه المتغيرات العميقة بطبعها، لأنها متعددة الأبعاد والمستويات.
كثيرة هي الكتابات المتطرقة إلى أوبك وأوبك بلس، والدول المنسحبة في الماضي، وماذا يعني انسحاب دولة الإمارات وتأثير ذلك ودوافعه السياسية والاقتصادية، والربط المباشر بين قرار الانسحاب سياسياً ظاهرياً ومؤشر حدة الصراع والتنافس والافتراق مع السعودية في عمقه.
لن أعيد تكرار ذلك، بل سأعتمد على تلك الأفكار المبثوثة هنا وهناك في مقالات ومنشورات عديدة، لقراءة انعكاساتها على الوضع في اليمن، وتحديدًا من خلال أربعة اتجاهات: الحرب الداخلية ومعيشة المواطنين، الدعم السعودي، صمود الحكومة اليمنية، والتموضع الإماراتي الميداني والتوازنات مع إيران.
أولاً: كسر التوافق النفطي وتصاعد التنافس السعودي-الإماراتي
لم تكن قرارات الإمارات منقوصة سيادياً. ولكن كان قرار الطاقة الإماراتي يصدر ضمن حالة توافق جماعي تقوده السعودية إلى حد كبير، حيث يتجلى النفط كأداة سياسية لمواجهة الضغوط الدولية وكبح سياسات أمريكا إقليمياً بما يتوافق والدور المركزي للسعودية.
خروج الإمارات يعني الافتكاك من هذا التوافق، مما يمنحها مساحة أوسع للقرار السياسي المستقل. انعكاس الأمر على اليمن يأتي من كون هذا "الافتراق" أو "الانشقاق" الذي بدأت ملامحه بوضوح في الملف اليمني في ديسمبر الماضي في هزيمة خروج مهينة، وامتلاك الإمارات لموارد مالية مستقلة بعيداً عن قيود الإنتاج يمنحها قدرة أكبر على تمويل نفوذها وتدخلاتها خارج دوائر التوافق مع المملكة، مما يعزز أجندتها الخاصة في اليمن.
مستفيدةً من موارد كبيرة وموقع عالمي في السياسات الدولية، قد تعود الإمارات إلى اليمن من خلال إنعاش وكلائها المحليين الذين استثمرت فيهم طويلاً سيما النزعة الانفصالية في الجنوب وقوات متمركزة في الساحل الغربي. غايتها في حدها الادنى إرباك الخارطة السياسية وحرمان النفوذ السعودي في اليمن من أي استقرار.
ثانياً: التأثير على موازين القوى الداخلية (حزب الإصلاح نموذجاً)
يهدف التحرك الإماراتي في مجال الطاقة إلى تقديم الدولة كـ "مرجح" في سوق الطاقة العالمي، مما يقربها من المصالح الأمريكية على حساب النفوذ السعودي. فما هو الخطر الميداني يمنياً؟
قد تستثمر الإمارات هذا التقارب للضغط باتجاه تصنيف "جماعة الإخوان المسلمين" منظمة إرهابية، وهو ما يستهدف مباشرة "حزب الإصلاح".
يحظى هذا الحزب بحضور "وازن" داخل الحكومة اليمنية وله نفوذ سياسي ودور قتالي في مواجهة الحوثيين سيما في محافظتي مأرب وتعز.
وتصنيف الحزب سيعني تجريد المملكة العربية السعودية من واحد من أهم حلفائها الميدانيين ضد الحوثي، وتلطيخ سمعة الحكومة مما يترك جبهات المواجهة في حالة ارتباك عسكري لصالح خصوم المملكة.
ثالثاً: التبعات الاقتصادية ومعيشة المواطن اليمني
لا يخفى الحال أن اليمن دولة "منكشفة" اقتصادياً، وأي هزة في أسعار النفط العالمية زيادةً أو نقصاناً نتيجة صراع الحصص بين السعودية والإمارات ستنعكس كارثياً على المواطن في ثلاثة أوجه:
بداية بتذبذب الدعم السعودي: تعتمد الحكومة الشرعية كلياً على المنح المالية السعودية. تقلبات الأسعار قد تدفع المملكة لإعادة توجيه إنفاقها في سياستها الخارجية، مما قد يقلص الدعم المالي المباشر، ويؤدي بالتالي إلى انهيار إضافي في سعر الريال اليمني وتفاقم التضخم في بلاد لا تسطيع الحكومة ضبط الأسعار وتوفير موارد استيراد بسهولة.
تالياً بتراجع جدوى الإنتاج المحلي: زيادة ضخ النفط لتقليل جدوى قرار الاستقلال في انتاج وبيع النفط قد يقود إلى انخفاض الأسعار عالمياً ما يجعل فكرة استئناف تصدير النفط اليمني غير مجدية اقتصادياً، مما يبقي الشرعية بلا موارد ذاتية.
وأخيراً باستفادة الحوثيين: يستفيد الحوثيون من استيراد الوقود بأسعار منخفضة لبيعه في السوق السوداء بأسعار مرتفعة، مما يوفر لهم مورداً مالياً ضخماً لتمويل حروبهم كما هي العادة.
رابعاً: إعادة التموضع الإقليمي والأمن البحري
خروج الإمارات من العباءة النفطية السعودية يتزامن مع رغبتها في بناء تحالفات إقليمية تعنى ببناء منظومة أمن إقليمية للإمارات دور محوري داخله. وهي محاور جريئة ومتناقضة يضم محور الإمارات قوى مثل (إسرائيل، إثيوبيا، والهند)، وهو ما قد يؤول إلى تحجيم الدور السعودي في حوض البحر الأحمر وخليج عدن. ليس الدور السعودي فقط بل الدور العربي برمته.
هذه الخلافات - سواء كانت تكتيكية تنافسية أو استراتيجية صفرية - تولّد فراغاً استراتيجياً وإرباكاً سياسياًً يستغله الحوثيون لممارسة الابتزاز السياسي والعسكري.
كما أن الحضور الإسرائيلي الاخذ في الرسوخ في الضفة الأخرى من خليج عدن في صومالي لاند سيمنح الحوثيين "شرعية قتالية" متجددة كذراع إيرانية، مما سيعطي الحوثي ذريعة لنهوض دور عسكري مضاد تحت لافتة "المقاومة"، ليتحول إلى ذراع إيرانية أكثر حظوة وقرباً من المصالح الدولية الحساسة وفي مواجهة مباشرة مع المصالح الإسرائيلية، وهو ما يعزز نفوذ طهران في مضيق باب المندب.
تؤكد التجربة أن الدول الضعيفة هي الأكثر عرضة للصدمات سواء في حالة الكوارث الطبيعية أو الصدمات الاقتصادية والمالية حين تختلف القوى الكبرى.
الافتراق الإماراتي السعودي سيعزز من "تنمّر" الحوثيين، وسيكونون أقدر على ابتزاز المملكة وطلب مبالغ أكبر أو التهديد بعمليات عسكرية.
في الأخير، يبدو أن اليمن التي كانت نقطة انطلاق الافتراق السعودي الإماراتي، ستكون أيضاً الساحة التي تُصفي فيها هذه التباينات حساباتها. فقد تزيد الإمارات من استثمارها في "وكلاء محليين" لإرباك السعودية، ويظهر المواطن اليمني هو "العريان" الذي يواجه البرد وحده.





