اغتيال وسام قائد.. ليس مجرد رحيل عابر، بل هو طعنة في قلب "الحلم اليمني" الذي يحاول الانبعاث من تحت الأنقاض. حين يعود شاب بمرجعية علمية من أرقى جامعات بريطانيا، حاملاً إرث جده الذي اغترب قبل سبعة عقود، ليضع بذور التنمية في أرض أجداده ثم يُسقى بدمه، فنحن أمام مأساة تتجاوز حدود الجريمة لتصبح رمزاً لمحنة وطن يبتلع من يحاولون إنقاذه.
بينما يصارع الجميع من أجل "تأشيرة خروج" للنجاة بأنفسهم، كان وسام يسير عكس التيار. عاد إلى اليمن لا بحثاً عن سلطة، بل بحثاً عن "قصة البطل" في أعين مزارعي البن وفي أنامل نساء تهامة اللواتي صنعن حقائب وصلت إلى الأسواق العالمية بفضل رؤيته.
قصة وسام هي تجسيد للصراع الأزلي بين الرغبة في البناء وواقع الهدم. لقد آمن بأن القهوة اليمنية ليست مجرد محصول، بل هي رحلة إنسان، وحين أراد للعالم أن يرى عظمة هذا الإنسان، قتله الرصاص الغادر في عدن. هذا الخواء الأمني الذي يحصد الرؤوس المبدعة دون رادع، جعل من اليمن ساحة "للانتقاء السلبي"، حيث يرحل الكادر ويُقتل المصلح ويختفي المبدع خلف حبات الرمل.
الآن، يقف كل مغترب يمني في أوروبا، أمريكا، أو الخليج أمام مرآة الوجع. السؤال الذي يطرح نفسه بمرارة: هل نعود؟
القلب يقول : عد لتنفع أهلك وتبني بلادك.
الواقع يقول : عد لتكون "رقماً" جديداً في سجلات الاغتيالات المجهولة.
لقد أصبحت البلاد، بفعل القتلة والمأجورين، طاردة لثروتها الحقيقية وهي "العقول". حين يُغتال رجل بحجم وسام، يُرسل القتلة رسالة لكل يمني في الخارج: "إبداعكم لا مكان له هنا".
لا يمكن لليمن أن ينجو بالاعتماد على المساعدات المؤقتة بينما هو يفرط في كفاءاته المستدامة. إن نجاة اليمن مرتبطة بقدرتها على حماية "الفارس" لا قتله. إن غياب العدالة، وعدم محاسبة من يخططون وينفذون هذه الجرائم، يجعل من كل مبدع "مشروع شهيد" مؤجل.
خلاصة الوجع اليمني اليوم، سواء كان في الداخل يصارع للبقاء أو في الخارج يصارع الحنين، يعيش حالة من اليتم الوطني. وسام قائد لم يمت موتاً طبيعياً، بل قتله الفراغ الذي خلفته الدولة، والتيه الذي تعيشه المدن.
الرسالة الأهم: إن الأشجار التي غرسها وسام ستبقى تثمر، لكن الأرض تحتاج إلى "سياج" من الأمن والقانون قبل أن نطلب من الطيور المهاجرة أن تعود إلى أعشاشها.





