الإثنين، 4 مايو 2026 | الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

عالم يتشكل فأين العرب ؟!

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

الحدس السياسي ليس ترفًا فكريًا، ولا نبوءة صوفية، بل هو ثمرة عقل يقظ، يقرأ الماضي بعمق، ويفهم الحاضر بدقة ، فيستطيع أن يرى الغد قبل أن يأتي .
ومن دون هذا الحدس، يتحول العرب من فاعلين في التاريخ إلى مجرد مفعول بهم ، تتقاذفهم رياح التحولات الكبرى كما تتقاذف الأوراق اليابسة رياح الخريف .

نعم ، ينقصنا شيءٌ اسمه الحَدْس؛ إنه الحاسة السادسة ، وهذه الحاسة يستلزم لها ثلاثة شروط أساسية : أولها قراءة عميقة للماضي، وتاليها معرفة وفهم جيد للحاضر، وثالثها -وهو الأهم- القدرة على قراءة الغد من خلال عملية ربط عضوي بين أحداث الماضي والحاضر .
هذا الربط المحكم بين الاثنين سيقودك إلى استشراف المستقبل، إذ يمكنك التوصل إلى نتائج مذهلة من التوقعات ، بما يشبه النبوءات السياسية.

الحدس مبني على استنتاج نابع من وحي القراءة والمشاهدة أيضًا ، يشبه إلى حدٍّ ما توقعات نشرة الطقس؛ فهناك بيانات وخرائط تمت قراءتها وتحليلها من وضعية سابقة، إضافة إلى حالة قائمة تتشكل خلال ساعات الليل والنهار .
ودمجُها وقراءتها في سياق واحد ستعطيك توقعات الأيام القادمة ، فقد تخيب هذه التوقعات أحيانًا، لكنها في مجملها تصيب، ونسبة الخطأ فيها ضئيلة ونادرة الحدوث .

للسياسة أدواتها وقواعدها، ومثلما للتجارة لغة ورأسمال وسوق، وللدين ضوابط وشعائر وطقوس؛ فإن لحياتنا الراهنة ديناميكيات محركة، وأدواتها وقواعدها التي تجسّد صيرورتها وتطورها وازدهارها .

غير أن اللافت في المشهد العربي هو الفقر المزمن في تلك الديناميكيات؛ إذ كثيرًا ما تُختزَل السياسة في ردود أفعال عاطفية، بينما الحقيقة انها فهم وإدراك ما لا يُرى ، وما لم يُقَل بعد .

لا شيء يأتي صدفة، فكل شيء يتغير ويتبدل ومخطط له سلفًا ، ويكون نتيجة لفعل بشري يبدأ بفكرة، ثم قرار، ثم نظام عام مشغّل ومنظّم لهذه الفكرة وذاك القرار .

وهنا تكمن المعضلة العربية الكبرى بغياب العقل المؤسسي القادر على تحويل الفكرة إلى نظام، وتحويل النظام إلى واقع مستدام .

فحين ضعفت إنجلترا العظمى وبدأت اولى حلقات مسلسل النهاية بأفول شمسها عن مستعمراتها الواحدة تلو الأخرى، وبمغادرتها المحتومة عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة ، اشتغلت الذهنية السياسية الغربية، فكان الحل أمريكا الدولة الصاعدة .
أقنعت بريطانيا قادة امريكا بضرورة ملء الفراغ بعد انسحابها من مساحات شاسعة في الشرق الأوسط والأدنى، وحتى في أوروبا وأفريقيا .

إسرائيل فطنت اللعبة مبكرًا، وأدركت أن بريطانيا العظمى -صاحبة فكرة توطين يهود أوروبا في فلسطين- في طريقها إلى الأفول عاجلًا أم آجلًا .
غيرت إسرائيل قبلتها في ظرفية وجيزة ، فمن لندن إلى واشنطن، بينما بقي العرب بين ثائر على الإنكليز وساعٍ لتعزيز علاقاته مع لندن، دونما إدراك لحقيقة أن اللعبة برمتها انتقلت إلى واشنطن، ذلك الكيان الصاعد بقوة .

إنها المفارقة التاريخية نفسها التي تتكرر ؛ العرب يخوضون معارك الأمس بينما غيرُهم يرسمون خرائط الغد، فالعرب دائمًا وأبدًا يأتون متأخرين .

حدث ذلك خلال فترات تاريخية معاصرة متعددة ، فبعد أمريكا، كانت هناك مؤشرات بيقظة التنين الصيني، ومن ثم نهوض الفيل الهندي، لكن العرب بقوا متخلفين عن الركب، سبقتهم إسرائيل قاطعة الطريق عليهم، ليس فقط سياسيًا، بل اقتصاديًا وتقنيًا أيضًا .

لقد أدركت إسرائيل أن المستقبل يُصنع في مختبرات الابتكار وغرف التجارة قبل أن يُصنع في ميادين القتال، بينما ظل العرب يراهنون على أدوات عفا عليها الزمن .

وعندما انهار الاتحاد السوفييتي، انقسم العرب بين نائح ومستغرب ومتساءل، وبين متشَفٍّ وقادح ، لا أحد من الأصدقاء أو الأعداء اقترب من الدب الروسي، حاول مساعدته كي يعالج جراحه ويقوم على رجليه ثانية .
لم يدرك العرب أن الاستثمار في لحظة الانهيار الكبرى هو أوفر استثمار ، وأن من يزرع في عز العاصفة يحصد في عز الصحو .

الصين فهمت هذا الدرس جيدًا ، فمدت يدها لروسيا المنهارة اقتصاديًا ، فكان لها منها شريك استراتيجي، وخصم لدود لأمريكا .
أما العرب فوقفوا متفرجين، كأن الأمر لا يعنيهم، وكأن العالم يُعاد ترتيبه في غرفة بعيدة عنهم .

نحن الآن إزاء لحظة تاريخية مفصلية، فيها العالم يتشكل أو يعاد تشكله على مختلف الأصعدة ، السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والتقنية والثقافية، وحتى الدينية .

إنها لحظة انزياح جيوبوليتيكي لا تقل عن لحظة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا عن لحظة انهيار الاتحاد السوفييتي . لحظة انتقال النظام العالمي من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية، حيث تتوزع القوة على عدة مراكز، وتتراجع هيمنة امريكا والغرب لصالح صعود الشرق .

ومثلما تعاطى العرب مع تلك التحولات الجيوبوليتيكية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، أو عقب انهيار القطب الآخر الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي ومن سار في فلكه مطلع تسعينيات القرن المنصرم؛ لا يبدو أن العرب استوعبوا ما حدث من تسونامي جارف.

ما زالوا يماشون الحالة الراهنة بذات العقلية التقليدية التي تفتقر إلى الحدس ، إذ تتجاهل الاستفادة من أحداث الماضي، كما وتغفل فهم الحاضر ، وفي المنتهى تتخذ قرارات مرتجلة لا تستقيم مطلقا مع مصالحها الوطنية أو القومية ، فأغلب هذه القرارات لم يراع فيها قواعد استشراف المستقبل .

أمريكا كإمبراطورية أحادية قائدة للعالم بدأ مجدها يهتز وينحدر يومًا عن يوم ، فلم تعد بتلك القوة والعظمة العسكرية والاقتصادية .
أمريكا المستحكمة بمصائر دول العالم قاطبة أضحت أشبه بنمر من ورق؛ نمر يزأر لكنه بلا مخالب وأنياب تجعله مهابًا ، يمكنه البطش والقتل بكل من يقف في طريقه .

أفول أمريكا ليس مجرد تكهن، بل هو مسار تاريخي تؤكده بيانات العجز المهولة في الداخل الأمريكي، تتزايد الأصوات المطالبة بوقف الدعم المالي والعسكري المقدم لإسرائيل، ويتراجع مستوى الإنفاق على الخدمات الأساسية .
إمبراطورية تنهشها التناقضات من الداخل، وتستنزفها المغامرات من الخارج .

وفي هذا المشهد العالمي المضطرب، تبدو السعودية ربما الدولة الخليجية الأبرز التي بدأت تعاطيها مع التحولات الجيوبوليتيكية القادمة بشيء من الحذر والذكاء، فلم تصل لحد الاستفزاز للنمر الذي جرحت كرامته رئاسة ترامب .
في المقابل، ترفض إسبانيا استخدام جزرها وسيادتها لمصلحة أمريكا في حربها القائمة ضد إيران، وترفع إيطاليا صوتها، وترفض إنجلترا -الحليف التاريخي- حكومتها المشاركة في الحرب .

فرنسا ودول أوروبية تعيد صياغة العلاقات الاقتصادية البينية، وألمانيا قلقة متأرجحة رغم تحررها من قيود سابقة حرمتها من امتلاك القوة العسكرية .

أما اليابان، حليفة ألمانيا في خسارة الحرب العالمية الثانية، فتعلن لأول مرة عن تصنيعها وبيعها للسلاح، في تحول تاريخي يعيد رسم خريطة التوازنات العسكرية .

نعم، إنه عالم يتشكل من جديد؛ رأسه في الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، وجسده وأطرافه موزعة على أكثر من بلد صاعد ؛ تركيا وإندونيسيا وماليزيا وباكستان وألمانيا وإسبانيا وكندا والبرازيل وجنوب أفريقيا، وغيرها .

وفي قلب هذا التشكل الكوني العاصف، أين العرب؟ إنهم لا يزالون في الهامش ، يقرأون الأمس مرارًا ، ويتجاهلون الغد، بلا حدس سياسي يرشدهم ، وبلا رؤية استراتيجية توجههم .
في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ البشرية، حيث تُعاد صياغة خرائط القوة وتُوزَّع ثروات المستقبل على من امتلكوا الجرأة واستشرفوا تحديات الزمن القابل ، يقف العرب أمام مرآة التاريخ، فلا يرون فيها غير صورتهم المكررة ، متأخرين، متفرجين، منقسمين؟

إن العالم لا ينتظر المتأخرين، والتاريخ لا يرحم الغافلين ، والسؤال الذي يبقى معلقًا، كسيف مسلط على ضمير هذه الأمة هو : إلى متى سنظل نكتفي بمشاهدة العالم وهو يتشكل من حولنا، بدلًا من أن نسهم في تشكله ولا أقول إنَّا نحن من نشكله ؟.