الخميس، 7 مايو 2026 | الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

مات وسام بتفريطنا به وبالأحلام.

مات وسام  بتفريطنا به وبالأحلام.

قالت سعاد درويش، وهي امرأة من تهامة:«لم أجد في سوق الخوخة من يشتري الحقائب التي أصنعها من سعف النخيل، سلّمتها لصاحب محل، وكلما أمرّ لأخذ أجري يقول: ردي بضاعتك.»

فقال لها وسام:«ستشتري نساء في باريس ما تصنعين، أنتِ فقط اصنعي ونحن سوف نبيع لهم، يا لها من حقيبة جميلة!»
قال ذلك في العام 2013، قبل أن يصعد إلى مكتبه في أحد شوارع حدة بصنعاء، ومنه أخبر العالم:«نحن نصنع الحقائب من سعف النخيل، هل تشترونها؟» فجاءه الرد: «نعم، نريدها».

وهكذا أبحرت أول سفينة من ميناء الحديدة تحمل منتجات يمنية خالصة، وكانت بينها حقائب سعاد، هل تتذكرين؟
المادة التي كتبتها في ذات العام مرفقة بالتعليقات، يوم كان وسام يخاطب أبناء بلده:

«لديكم مواهب يجب أن يراها العالم.»لم يقل لهم إن ثمة موهبة أخرى أكثر انتشارا دفع هو ثمنها، ولم يخبر عنها أحد: (القتل).

مات وسام واقفا، لم يمت كما تقول الأخبار بطلقة بندقية، بل مات بتفريطنا به وبالأحلام.

اليوم تم دفن جثمانه في المدينة التي لاذ إليها من ظلم في صنعاء، ،لكن من يدفن أحلاما ترفرف غير مدينة عدن؟ ألم يختف فيها كل المحبين الذين قصدوها لأنهم أنسوا منها قبساً .

عدن، هذه المدينة التي يظن من يرى بريقها أن أحلامه خلف رافعات موانئها، لكنها لا تلبث حتى تُظهر وجهًا آخر. عدن مدينة للموت أو الهروب.

حين أتيتُ إليها عام 2020، كنت أسأل الناس فيها عن سينما بلقيس في المعلا. التف المارة حولي: «ما فيش عندنا سينما» ثم جاء صوت أكبر سنا: «هذا شكله قديم».

بالفعل، قضيت جزءا من طفولتي في المعلا، حيث كنت أهيم فيها بعد غروب الشمس باحثًا عن معنى.

ثم دلوني على مبنى صار كله محلات، قلت لهم: «هذه هي، لقد كانت سينما يوما ما».

قال من دلني: «هذا كان زمان»

عدن مدينة لم يعد لها أحلام، ومن فيها لا يعرف شكلها القديم، وإلا ما كان لوسام أن يُقتل في حواريها.

هذه المدينة من إعاجيبها النسيان لا الذاكرة، فبينما كان فتى يرتدي التيشيرت العدني يموت على أطرافها، كان الناس في الوسط يصرخون للغائب أن يعود، حتى بدا ما يحدث كأنه في عالم آخر، كان الاجدر بهم أن يقفوا دقيقة صمت على روح شهيد لاذ بهم ظنا أنهم سيجيرونه.

حتى أن أحدا فيهم لم يكتب عنه وكأنه بضاعة كاسدة على الميناء، لن اصدق بريق هذه المدينة من جديد ولن ابحث عن سينماء في ذاكرتها ولا عن وردة في جدار.