الصراع في تعز ليس معركة مواقع أو تشكيلات مسلحة فحسب، بل معركة في شرعية التمثيل، ومن يملك حق الكلام باسم الناس قبل أن يملك حق إصدار الأوامر باسم التنظيم.
في هذه المعادلة الدقيقة يبرز اسم صهيب كظاهرة سياسية شابة تكشف هشاشة احتكار الحزب للمشهد التعزي ككل، شخصية شبابية تعيد ترتيب أوراق النفوذ لصالح ولاء وطني مباشر لا يمر عبر القنوات الحزبية المغلقة، والخوف الحقيقي للمنظومة لا ينبع من قوة صهيب أو من حجم نفوذه القبلي بل من فكرة قد تعيد إنتاج قواعد اللعبة المحلية لصالح شرعية اجتماعية مستقلة تعمل مع الناس دون إذن وتتحرك بينهم بدون غطاء سياسي وتكسب ثقتهم بالأداء والحضور.
يعتمد الحزب في تعز على هيكلة تنظيمية مغلقة تحتكر قنوات التمثيل الرسمية، من الأجهزة الأمنية إلى الوساطات القبلية وتوزيع الخدمات المحلية، وأي صوت خارج هذا الإطار ينظر إليه كتهديد وجودي يجب احتواؤه أو عزله، ولكن النموذج المستقل يتجاوز هذه المعضلة بخطابه الخدمي ومواقفه غير الخاضعة للمركزية الحزبية.
وهو ما يكشف هشاشة اعتماد المنظومة على الولاءات التنظيمي بدلاً من الجدارة الملموسة، وعندما يثبت المجتمع إمكانية الحشد واتخاذ القرار دون وسيط حزبي ينكسر العمود الفقري للهيمنة التنظيمية وتتحول القاعدة تدريجيًا من الخوف من العزل إلى الثقة في البديل المباشر.
فالجماعة لا تخشى السلاح بقدر ما تخشى الشرعية البديلة، التي لا تحتاج إلى ترخيص تنظيمي لتعمل، لأنها تدرك أن ولاء الناس في البيئات الهجينة يميل نحو من يثبت كفاءته المباشرة وليس من يفرض ولاءه إداريًا.
هذا التحول الصامت هو ما يعيد كتابة قواعد الحضور في تعز، حيث لم تعد الشرعية اليوم تمنح بالقرارات الحزبية، ولا تحفظ بالأجهزة الأمنية بل تبنى يومًا بعد يوم في الأحياء والشوارع، عبر موقف لا يتراجع وخدمة لا تنتظر إذن المنطومة، وصهيب في هذا المشهد ليس ظاهرة طارئة بل مرآة تعكس شوق كامن في الذاكرة التعزية لشرعية لا تفرض من فوق بل تكسب من خلال التواجد الحقيقي بين الناس.
فالمنظومة التي اعتادت أن تملي على المجتمع من يحمي ومن يمثل ومن يقرر، تجد نفسها اليوم أمام واقع لا يدار بالترهيب ولا يحتوى بالبيانات، لأن الثقة التي يزرعها الحضور المستقل اليوم أعمق من أي ولاء تنظيمي، وأكثر رسوخ من أي هيكل بيروقراطي.
وإذا كان الخوف من صهيب هو خوف من نموذج، فإن انتشار هذا النموذج يعني نهاية احتكار التمثيل وبداية مسار جديد لا تقاس فيه القوة بحجم التبعية بل بقدرة الصوت المستقل على أن يكون ناطق بصدق عن وجع الناس وأملهم.
وتعز اليوم لا تنتظر من يملأ الفراغ أبدًا ،بل من يعترف بأن الفراغ نفسه كان نتيجة احتكار، وأن الشرعية الحقيقية لا تصنع في المكاتب المغلقة، بل تتنفس حيثما يقف شابٌ يختار الناس قبل المنصب والوطن قبل التنظيم، ومن يخاف هذا الحضور، عليه أن يخاف من أن الناس لا يحتاجون إلى وسيط ليحبوا أرضهم ولا إلى ترخيص ليخدموا جيرانهم وأبناء مدينتهم.





