السلطة الشرعية في اليمن تساهلت مع المكوّنات المحسوبة عليها ، إلى الحد الذي أضحت فيه هذه المكوّنات سلطاتٍ قائمة بذاتها، تملك القوة والنفوذ والحضور في عموم المحافظات المحررة .
هذا التساهل أعمى بصيرة البعض ، فظنَّوا أنهم السلطة الشرعية، بل وذهب بهما الغرور إلى حد مواجهة الرئيس الشرعي وحكوماته المتعاقبة ورفضهما، رغم أنهما جزءٌ لا يتجزأ من شرعية هذا الرئيس، ومن التحالف العربي الذي لا يمكن فصله عن هذه الشرعية، ومن الخط السياسي الذي تمثله والذي قام الانقلاب عليه أصلاً.
ولعل حساسية المسألة الجنوبية كانت أحد الأسباب الكامنة وراء هذا التساهل القاتل ، فلقد كان بمقدور السلطة الشرعية، من منفاها في الرياض، أن تصف هؤلاء بأنهم مكوّنات معرقلة للتسوية السياسية في اليمن، وأن توصّف الحالة بأنها تمرد صريح على الشرعية .
لكنها، ونتيجة لعوامل سياسية وعسكرية واقتصادية وموضوعية، اضطرّت إلى ممارسة اللين والتكيّف مع الوضعية القائمة، لا سيما في ظل تعدد أقطاب القرار السياسي والعسكري، الوطني منه والخليجي، وما فرضته هذه الحالة من تقوية مفرطة لنفوذ مكونات التمرد .
وبسبب حسابات خاطئة فرضتها إدارة مرحلة ما بعد التحرير، كان لابد من بروز أسماء وميليشيات مسلحة تعمل خارج سياق الشرعية والدولة اليمنية ، وأكثر من ذلك، فقد صنعت هذه الوضعية حالةً شاذةً مقوّضة للدولة اليمنية ولمؤسساتها وسلطاتها .
مفارقةٌ عبثية أن تتحول لحظة التحرير إلى لحظة تمزيق، وأن يصير المنتصر في المعركة أسيرًا لإرادات خارجة عن إرادته، وكأن الحرب لم تكشف عن عدو واحد بقدر ما كشفت أعداء ، وعن فراغٍ تُرك ليمتلئ بالطامحين والمغامرين .
وبرهاننا هنا واضح ، فهذه الرئاسة والحكومة، اللتان يُفترض أنهما تمثلان اليمن، صارتا منفيتين في الرياض، وعاجزتين عن تمثّل مهامهما وواجباتهما في العاصمة المؤقتة عدن أو في المحافظات الأخرى التي هيمنت فيها الميليشيات المسلحة .
إنه المنفى السياسي داخل الانتصار العسكري؛ سلطة بلا أرض، وقرار بلا سيادة، وشرعية تأكلها شرعيات الأمر الواقع من أطرافها .
في الحرب، كانت غاية القوى المنضوية تحت مظلة الشرعية هي تحرير المحافظات من الميليشيات الانقلابية، لكن هذه الغاية تبدّلت مع أول عملية تحرير، فصارت لدينا ميليشيات موازية غايتها مواجهة الشرعية ذاتها، تلك الشرعية التي جلبت لهم التحالف العربي والتضامن الدولي، والسلاح والعتاد والمال والإعلام .وهنا تكمن المأساة ، أن تلد الشرعية من أحشائها نقيضها، وأن يتحول الحليف إلى خصم في اللحظة التي يفترض أن يكتمل فيها البناء وتستمر معركة التحرير .
نعم، اغلب القادة الذين رأيناهم منذ ما بعد الحرب هم في الحقيقة جزء لا يتجزأ من السلطة الشرعية ، وما حدث هو أن بعضهم اعتقد أنه أذكى من الجميع، وأنه يستطيع أن يلبس قميصًا خادعًا ومضللًا ، بينما في جوهره وفعله يجسّد سلطة وشرعية الأمر الواقع .
لقد راهنوا على أن الزمن كفيل بتحويل الغنيمة إلى ملكية سياسية، وأن الجغرافيا التي سيطروا عليها ستتحول تلقائيًا إلى كيان معترف به .
لكنهم نسوا أن الشرعية، في عصر السيادة المعقدة، لم تعد تُستمد من فوهات البنادق وشراء الموالين والجنود، وانما تستلزم توافقات وطنية ودولية عابرة للحدود .
فلا فائدة تُرجى من تسويق أوهام لا مكان لها ولا حيز ولا قبول وطنيًا وإقليميًا ودوليًا وواقعيًا ، فالذكاء الذي يستند إلى القوة فقط ليس سوى غباءٍ مؤجل، والطموح الذي يتجاهل التوازنات الوطنية والدولية ليس سوى انتحار سياسي بطيء .
الحديث عن أن الجنوب كان دولة إلى عام التوحيد، حديث استهلاكي عبثي إذا لم يكن مشفوعًا بإرادة سياسية حقيقية وتوافقات وطنية جامعة، تسعى إلى تسوية سياسية تاريخية في مناخات ملائمة، لا في ظرفية مشحونة كهذه التي لا يأتي منها غير العبث والخراب .
فالماضي لا يُستعاد بمجرد استدعائه، والدولة ليست مجرد ذاكرة، وإنما هي قدرة على بناء المستقبل مع الآخرين، لا على أنقاضهم أو الغائهم . ومن يظن أن بإمكانه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بقوة السلاح وحده، إنما يكرّس خراب الحاضر بحنينٍ لا يدرك تعقيدات اللحظة .
خلاصة القول .. الشرعية في المسار الصحيح الآن، نعم تأخرت زمنًا ، لكنها قادرة اليوم على تصويب الخطأ الفادح الذي أضرّ بنا جميعًا ، شعبًا ودولةً ومؤسساتٍ وحكومةً ورئاسةً وتحالفًا .
لقد علّمنا الواقع درسًا مريرًا أن السيادة لا تقبل القسمة، وأن الدولة التي تحتمل نصف سيادة ليست دولة، بل فوضى منظمة تعبث بها الأطماع ، فالسلطة الشرعية ينبغي أن تجسّد حضورها في كل مساحة تم تحريرها، وأن تقود المرحلة مهما بلغت قساوتها .
فلن يتحرر اليمن، ولن تنتهي المأساة الإنسانية، إلا بوجود سلطة واحدة قادرة على حمل راية تحرير ما بقي من محافظاته، حربًا أو سلمًا ، فلا مجال لتعدد السلطات، لا مجال لتعدد الولاءات والجيوش والأعلام، لا مجال لغير سلطة واحدة، وقوة واحدة، وغاية سياسية واحدة، ومعركة واحدة .
إن اليمن ليس مجرد أرضٍ تُحرر ، بل هو مشروع دولةٍ تُبنى ، ومن يظن أن بإمكانه اختطاف جزء من هذا المشروع لصالح حلمٍ ضيق أو طموحٍ شخصي، فليعلم أن الجغرافيا وحدها لا تصنع الأوطان، وأن السيادة ليست غنيمة حرب، بل عقد اجتماعي كامل الشروط والأحكام .
فالطريق إلى الدولة لا يُشق بالخناجر المرفوعة في خاصرة الشرعية ، بقدر ما يُشيَّد بالعقول التي تدرك أن الخلاص لا يكون إلا بالوحدة تحت سقف واحد، لا بسقوفٍ متعددة تظلل الخراب .





