دخل الدكتور علي أحمد المضواحي عامه الثالث خلف القضبان، لا بحكم قضائي، ولا بإدانة قانونية، ولا حتى بتهمة معلنة. عامان وأسبوع من الاعتقال والإخفاء القسري والمعاناة، فيما تستمر الأسئلة الكبرى بلا جواب: إلى متى؟ ولماذا؟.
لقد سبقت عصابة الحوثي في هذا الطريق أنظمة وسلطات كثيرة ظنت أن القوة وحدها تكفي لإخضاع الشعوب وإسكات الأصوات. سبقتها دكتاتوريات ملأت السجون بالمعتقلين، وأغلقت الأفواه، وصادرت الحقوق، وظنت أن الزمن سيتوقف عند إرادتها. لكن التاريخ كان له حكم آخر..
أين هي تلك الأنظمة اليوم؟
ذهب معظمها إلى مزبلة التاريخ، ولم تترك وراءها سوى صفحات سوداء من القمع، وذكريات موجعة، وكراهية متجذرة في صدور الشعوب التي ذاقت ظلمها. لم تكسب احترام الناس، ولم تحصد ولاءهم، ولم تورث أبناءها سوى اللعنات وسوء الذكر..
إن الظلم لا يصنع هيبة، بل يصنع نقمة. والقوة التي تستخدم لسحق الأبرياء تتحول مع الأيام إلى عبء ثقيل على أصحابها. وما يمارس اليوم بحق المعتقلين والمخفيين قسرا، ومنهم الدكتور علي المضواحي، لن يختفي من ذاكرة الناس، ولن تمحوه السنوات، بل سيبقى شاهدا على مرحلة من الانتهاكات التي سيأتي يوم تروى فيه تفاصيلها كاملة أمام الأجيال..
كيف يمكن تبرير احتجاز طبيب لأكثر من عامين دون مسوغ قانوني واضح؟ وكيف يمكن تبرير حرمان أسرة من الاطمئنان على ابنها، وحرمان طفلة من سماع صوت والدها لأشهر طويلة؟ وأي رسالة تريد عصابة الحوثي أن تبعثها للناس حين يصبح الظلم هو القاعدة، والعدالة هي الاستثناء؟.
إن استمرار هذا النهج لا يضر الضحايا وحدهم، بل يضر أولئك الذين يمارسونه أيضا. فكل يوم إضافي يقضيه بريء خلف القضبان يضيف سطرا جديدا إلى سجل المظالم، ويعمق الفجوة بين هذه العصابة الإجرامية والمجتمع، ويزرع مزيدا من المرارة في النفوس..
قد يظن البعض أن الزمن كفيل بإخماد الأصوات، لكن التجارب الإنسانية كلها تثبت العكس. فالحقوق قد تتأخر، لكنها لا تموت. والمظالم قد تدفن مؤقتا، لكنها لا تنسى. والتاريخ لا يرحم من يسيء استخدام السلطة، ولا يمنح حصانة أبدية لأحد..
إن احتجاز الدكتور علي أحمد المضواحي وكل معتقل أو مخفي قسرا ليس دليل قوة، بل دليل أزمة أخلاقية وقانونية وإنسانية. والإفراج عن المظلومين ليس منة من أحد، بل واجب تأخر كثيرا.
إن الذين يراهنون على النسيان، عليهم أن يتذكروا أن كل سلطة ظنت نفسها خالدة انتهت يوما ما، وبقيت أفعالها وحدها شاهدة عليها، وغدا سيصبح السجان مسجونا..





