ليست كل المعارك تخاض بالسلاح، فبعض المعارك تبدأ حين يرفض رجل أن ينحني، وحين يقرر أن كرامته ليست سلعة تشترى ولا موقفه ورقة توقّع تحت الإكراه!.
لقد قلت سابقا إن الشيخ حمد بن راشد فدغم الحزمي أعاد للشيخ هيبته، واليوم أقول إن الرجل تجاوز حدود المشيخة إلى فضاء الرمز الوطني، لأنه أعاد التذكير بحقيقة حاولت سنوات القهر طمسها: أن اليمن لا يزال ينجب رجالا يرفضون الخضوع مهما بلغت كلفة الثبات..
ما جرى لم يكن خلافا شخصيا، ولا حادثة عابرة تضاف إلى سجل الأحداث اليومية. لقد كان مشهدا مكثفا لحكاية شعب بأكمله، وقصة وطن يتعرض لمحاولات كسر إرادته وإخضاع رجاله وإهانة رموزه وإفراغ القبيلة من رسالتها التاريخية بوصفها حصنا للكرامة وحامية للمستجير وملاذا للمظلوم..
لقد أرادوا للشيخ أن ينكسر، فإذا به يتحول إلى شرارة، وأرادوا أن يصمت، فإذا بصوته يهز الجبال، وأرادوا أن يصبح عبرة للآخرين، فإذا به يصبح راية يلتف حولها الأحرار..
حين خرج حمد فدغم من محنته، لم يخرج رجلا عاديا. خرج محملا بوجع السنين التي عاشها اليمنيون تحت وطأة القهر والإذلال. خرج حاملا صرخة كل رجل أريد له أن يتنازل عن كرامته، وكل شيخ أريد له أن يتحول إلى تابع، وكل قبيلة أُريد لها أن تتخلى عن تاريخها وقيمها ومكانتها..
ثم جاءت اللحظة التي ستبقى خالدة في ذاكرة اليمن.
حين وقف الشيخ بين الجموع، باكيا من القهر الذي تعرض له، لم تكن دموعه دموع ضعف، بل كانت دموع غضب تختزن تاريخا من الإهانات المتراكمة. كانت دموع رجل يرى كرامة شعبه تنتهك، ويرى اليمن الذي يعرفه يراد له أن يتحول إلى وطنٍ بلا رجال..
وحين كسر جفن جنبيته، لم يكن يؤدي عرفا قبليا فحسب، بل كان يطلق نداء مدويا إلى اليمن كله. كان ذلك إعلانا بأن الصبر قد بلغ منتهاه. وأن الكرامة لا تزال حية. وأن روح الجمهورية لم تمت رغم كل ما تعرضت له. وأن القبائل التي صنعت تاريخ اليمن، وأسقطت الطغيان في مراحل مختلفة من تاريخه، قادرة على أن تستعيد دورها حين يستدعي الواجب ذلك..
لقد فهم اليمنيون رسالة “كسر الجفن” لأنها لامست جرحا عميقا في وجدانهم. رأوا فيها صرخة ضد سياسة الإخضاع، وضد تحويل الرجال إلى أدوات، وضد محاولة مصادرة الإرادة الحرة للقبائل والمجتمع..
ولهذا لم يعد حمد فدغم مجرد اسم، بل أصبح عنوانا لمرحلة جديدة من الوعي والرفض. مرحلة تقول إن الكرامة ليست ترفا. وأن الحرية ليست شعارا. وأن الجمهورية ليست ذكرى تستحضر في المناسبات، بل قضية تستحق أن ينهض الناس من أجلها..
إن الأمم لا تنهض بالخائفين، ولا يصنع التاريخ أولئك الذين يتقنون التبرير والتكيف مع الظلم، بل يصنعه الرجال الذين يقفون في اللحظة الفاصلة ويقولون، لا!.
وحين قال حمد فدغم “لا”، لم يكن يتحدث عن نفسه وحده، بل كان يتحدث باسم آلاف المقهورين الذين يبحثون عن صوت، وملايين اليمنيين الذين ينتظرون لحظة استعادة الدولة والكرامة والسيادة..
إن الرسالة التي خرجت من الجوف ليست رسالة قبيلة بعينها، بل رسالة وطن بأكمله. رسالة تقول إن اليمن لا يزال حيا. وأن إرادة الأحرار لم تهزم. وأن الكرامة إذا نهضت من بين الركام، فلن تستطيع قوة على الأرض أن تعيدها إلى الصمت..
فالتاريخ يعلمنا أن الطغيان يبدو قويا في لحظة تمدده، لكنه يبدأ بالانهيار يوم يفقد الناس خوفهم منه. ويبدو أن اليمن، من الجوف هذه المرة، بدأ يستعيد صوته. وإذا استعاد اليمن صوته، فلن يكون ما بعد ذلك كما كان قبله!..





