أُعلن في باريس قبل أمس عن وفاة إيڤ لاكوست Yves Lacoste عن عمر ناهز 96 عامًا. جغرافي وكاتب وأستاذ جامعي فرنسي، ومؤسس مجلة «هيرودوت» المتخصصة في الجيوبوليتيك، ومؤسس مدرسة فرنسية في الجيوبوليتيك بفضل ربطه الحاد بين الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية.
بحسب موقع Grand Continent فإن لاكوست كان مثيرًا للجدل، متمردًا ومثقفًا ملتزمًا، جعل من الجيوبوليتيك منهجًا نقديًا وحقلاً للنضال الفكري.
يُعدّ إيف لاكوست أحد مؤسسي المعهد الفرنسي للجيوبوليتيك في جامعة باريس الثامنة، وكان قبل ذلك له اسم آخر منذ سبعينات القرن الماضي حتى أصبح يُختصر بـ IFG. وقد نلت شرف الاستماع إليه ضمن دروسي في المعهد أثناء تحضير الماستر في الجيوبوليتيك في العام الدراسي 2015/2016.
كان حينها رجلًا طاعنًا في السن، متقاعدًا، يُلقي محاضراته العامة وليس ضمن مقرر فصل دراسي، وكانت القاعة تحشد أعدادًا غفيرة من الطلاب والأساتذة. أنتهى اللقاء وتدافع زملائي لالتقاط صورة جماعية معه ولم اقدم على ذلك، فترددت وندمت بعدها على ترددي.
يمثل إيف لاكوست نموذجًا للأكاديمي الملتزم، وهو فرنسي من أبوين فرنسيين كانا مقيمين في المغرب، فَوُلد في مدينة فاس عام 1929 في المملكة المغربية، وقضى حياته على مقربة من الناس والبلدان، وهو ما أثار شغفه إلى الجغرافيا، رغم رغبته أولًا أن يحذو حذو أبيه متخصصًا في الجيولوجيا، انما اقترب من تخصص أمه في الجغرافيا.
كتب كتبًا كثيرة، كان أهمها كتابه «La géographie, ça sert d’abord à faire la guerre»
تستخدم الجغرافيا اولا لشن الحرب.
الصادر عام 1976، ويقول فيه: نتعلم في المدارس الكتابة والقراءة، فلماذا لا نتعلم قراءة الخرائط، كون قراءة الخرائط كانت تخص الضباط أولًا.
بعد أن أنجز ليسانس في الجغرافيا في باريس ذهب للتدريس في الجزائر، وهناك انخرط في الحزب الشيوعي، والتقى بمثقفين كثيرين منهم الطبيب صادق هجرس الذي عرّفه على ابن خلدون، فكتب عن الحس الجغرافي لدى ابن خلدون، وهذا كتاب مترجم إلى العربية.
كان إيف لاكوست معاديًا للاستعمار، وكلفه هذا أن أُلغيت مهمته في الجزائر واستُقدم إلى فرنسا القارية عقابًا له.
اشتهر إيڤ لاكوست بتقرير أعدّه في ظروف استثنائية حول القصف المتعمد الأمريكي لأساسات السدود في النهر الأحمر في فيتنام، حيث تحدث بعدها عن انهيارات تغرق الغابات التي كان يتخذها المقاتلون الفيتنام ملاذًا، وكيف أن الانهيارات كانت نتيجة سياسة متعمدة من الجيش الأمريكي. وقد أحدث التقرير أثرًا وغير النظرة إلى الحرب وطبيعة تعامل الأمريكيين مع الجغرافيا.
ظل يناضل من أجل جغرافيا تخدم الإنسان وتغير حياته، لا جغرافيا غايتها إنتاج معرفة من أجل الإخضاع والسيطرة، لأن الجغرافيا في رأيه تقدم للسلطة معطيات تسمح لها بالتصرف والحركة والتأثير على الناس في فضاء ما، وهذا يتطلب إدراكًا خاصًا من الجغرافي حول سلطة المعلومة.
خاض لاكوست معارك فكرية شرسة مع عمالقة الجغرافيا الفرنسيين ممن سبقوه أو عاصروه، وأسهم في استقلال جامعة باريس الثامنة لتصبح جامعة يسارية، وبذلك تبلورت جغرافيا يسارية.
ومع تطور مجلة «هيرودوت»، التي كانت تحمل عنوانًا فرعيًا: «جغرافيا، استراتيجيات، أيديولوجيات»، قفز بها منذ العدد 25 لعام 1982 إلى عنوان فرعي: «مجلة الجغرافيا والجيوبوليتيك»، معلنًا إعادة الاعتبار لمفهوم الجيوبوليتيك الذي اختطفته الممارسات الهتلرية والاستخدام التوسعي الإمبريالي. لذا كان الهدف هو مدّ القارئ بوعي جيوبوليتيكي وتقريب هذا الحقل إلى الناس.
مع الوقت تخففت النبرة اليسارية لدى إيف لاكوست مع استمراره في التطرق إلى ما بعد الكولونيالية، وانحاز منحى محافظًا، ولم يسلم من نقد رفاقه في الأمس أو توظيف تصوراته من طرف اليمين المحافظ، خاصة نظرته إلى الإسلاموية ومخاطرها.
بفضل إيف لاكوست حدث تحول منهجي كبير في الجيوبوليتيك، التي أصبحت مقاربة منهجية تجمع تخصصات عديدة وتدمج وسائل تحليل تقنية كبيرة، من الخرائط اليدوية إلى معلومات الأقمار الاصطناعية، في آلية تحليل متصاقبة ومتراكبة متعددة المستويات غايتها تحليل النزاعات.





