الأحد، 28 يونيو 2026 | الموافق ١٢ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

قلوب متكاثفة… رؤيا متجانسة وعمل بسرعات متفاوتة

رصاصة الكلمة

في العلوم والهندسة، حين تتحرك مجموعة من الأجسام نحو نقطة واحدة، حتى وإن اختلفت سرعاتها ومساراتها، فإن المسافات الفاصلة بينها تبدأ بالتقلص مع الوقت.

ليست الفكرة أن الجميع يسير بالوتيرة ذاتها، ولا أن كل جسم يملك الطاقة أو الوسائل نفسها؛ بل إن وجود اتجاه مشترك يجعل التباعد أقل، ويحوّل الحركة المتفرقة إلى اقتراب تدريجي من غاية واحدة. ربما نحتاج في اليمن إلى تأمل هذه الحقيقة البسيطة أكثر من أي وقت مضى.

ففي أنحاء البلاد، توجد مبادرات أهلية وشبابية، ومجموعات تطوعية، ومشاريع صغيرة للتعليم والإغاثة، ومحاولات متواضعة لإحياء الفنون، وبرامج لدعم النساء والأطفال، وجهود لتمكين الأسر وتحسين سبل العيش، ومبادرات للسلام المجتمعي، وأفراد يعملون بصمت في أحيائهم وقراهم. قد لا نسمع عن كثير منها، وقد لا تبدو كبيرة في نظر من يقيس النجاح بالأرقام الضخمة أو بالضجيج الإعلامي، لكنها جميعاً تمثل نبضاً حياً في جسد المجتمع.

المشكلة ليست في غياب المبادرات، بل في تباعدها أحياناً، وفي شعور كل منها بأنها تعمل وحدها في مساحة معزولة. هناك من يبدأ من التعليم، وآخر من الصحة، وثالث من الثقافة، ورابع من مساعدة الأسر الأشد احتياجاً.

وهناك من يملك التمويل، ومن لا يملك إلا وقته، ومن يستطيع الوصول إلى مناطق واسعة، ومن لا يتجاوز أثره شارعين في حي صغير. هذا التفاوت طبيعي، بل قد يكون ضرورياً؛ لأن احتياجات اليمن متعددة، ولا يمكن لجهة واحدة أو فكرة واحدة أن تستوعبها جميعاً.

لكن التفاوت لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة، والاختلاف لا ينبغي أن يقود إلى تنافس سلبي أو إلى التشكيك في جهود الآخرين. ليست القيمة في أن تكون المبادرة الأسرع، أو الأكثر حضوراً، أو الأقدر على الحديث عن نفسها. القيمة الحقيقية في مقدار ما تضيفه إلى حركة المجتمع نحو مستقبل أكثر عدلاً وكرامة وأمناً.

نحن لا نحتاج إلى توحيد المبادرات في قالب واحد، ولا إلى إلغاء خصوصياتها أو فرض قيادة مركزية عليها. ما نحتاجه هو رؤيا مشتركة، تشبه البوصلة التي يحملها المسافرون وهم يسلكون طرقاً مختلفة. قد يذهب بعضهم عبر الطريق الأقصر، وقد يختار آخرون طريقاً أكثر أمناً، وقد يتوقف فريق في منتصف الطريق لمساعدة من تعثروا، لكن الجميع يظل واعياً بالوجهة النهائية.

هذه الوجهة يمكن أن تكون واضحة وبسيطة: يمن يتسع لأبنائه جميعاً؛ مجتمع يحترم الإنسان قبل انتمائه، ويمنح الأطفال تعليماً حقيقياً، ويحفظ للنساء حقهن في المشاركة الكاملة، ويجعل من الخدمة العامة قيمة يومية لا شعاراً موسمياً. مجتمع يؤمن بأن السلام ليس مجرد توقف للقتال، بل قدرة الناس على التعاون والثقة وبناء حياة مشتركة.

حين نمتلك هذه الرؤيا، يصبح السؤال مختلفاً. بدلاً من أن نسأل: من ينجح أكثر؟ يمكن أن نسأل: كيف نكمل بعضنا؟ وبدلاً من مقارنة المبادرات، يمكن البحث عن الجسور بينها. المبادرة التي تعمل في التعليم قد تتعاون مع مبادرة تهتم بالصحة النفسية للأطفال. والمجموعة التي تدعم الأسر المحتاجة قد تستفيد من خبرة فريق يعمل في التدريب المهني.

كما قد يفتح النشاط الثقافي مساحة للحوار بين شباب من خلفيات متباينة، وقد تقدم مبادرة صغيرة في قرية بعيدة درساً عملياً لمؤسسات أكبر منها بكثير.

التكامل لا يحتاج دائماً إلى ميزانيات هائلة أو مؤتمرات طويلة. أحياناً يبدأ بمشاركة خبرة، أو إعلان متبادل عن نشاط، أو اجتماع دوري قصير، أو منصة بسيطة تعرّف الناس بالمبادرات العاملة واحتياجاتها. وقد يبدأ باتفاق أخلاقي غير مكتوب على احترام الجهود وعدم احتكار الفضل.

يبدأ حين يتوقف أصحاب المبادرات عن النظر إلى بعضهم بوصفهم منافسين، ويبدؤون رؤيتهم كشركاء في مسؤولية واحدة.

ومن المهم أيضاً أن ندرك أن السرعات المختلفة ليست عيباً. فبعض المبادرات تتحرك بسرعة لأنها تستجيب لحاجة عاجلة، مثل الإغاثة وقت الكوارث. وبعضها يحتاج إلى وقت طويل، لأن أثره عميق وبطيء، مثل التعليم وبناء الثقة ومعالجة النزاعات المحلية.

لا يجوز أن نقيم العمل الهادئ بمعايير العمل الطارئ، ولا أن نطلب من مشروع صغير أن يحمل ما لا يحتمله. لكل جهد إيقاعه، ولكل مجتمع ظرفه، ولكل مجموعة مواردها وحدودها.

ومع ذلك، فإن بطء الحركة لا يعني فقدان الاتجاه. والخطوة الصغيرة لا تصبح بلا قيمة إلا حين تُقطع من دون صلة بهدف أكبر. أما حين يدرك الإنسان أن ما يفعله، مهما بدا محدوداً، جزء من مسار واسع نحو النهوض، فإنه يعمل بمعنويات مختلفة، ويشعر أن جهده لا يضيع في الفراغ.

ربما لم يعد اليمن يحتمل انتظار الحلول الكبرى التي قد تأتي من الخارج أو من تسويات مؤجلة. ما يمكن أن نفعله الآن هو أن ننتبه إلى ما ينمو بين أيدينا: طاقات الناس، وقدرتهم على المبادرة، واستعدادهم لخدمة مجتمعاتهم رغم الصعوبات.

هذه الجهود ليست بديلاً عن الدولة والمؤسسات، لكنها قوة أخلاقية واجتماعية لا غنى عنها في أي طريق للتعافي.
القلوب المتكاثفة لا تعني القلوب المتشابهة، والرؤيا المتجانسة لا تعني العقول المتطابقة، والعمل بسرعات متفاوتة لا يعني أن أحداً متروك خلف الركب. المعنى الأجمل هو أن نتحرك، كل من موقعه، نحو أفق واحد؛ أن نترك بيننا مساحات للاختلاف، لكن لا نسمح للاختلاف بأن يهدم ما يمكن أن نبنيه معاً.

فحين تتجه الخطوات المتنوعة إلى هدف مشترك، تبدأ المسافات بالتلاشي. وحين تتقارب المبادرات، لا يزداد أثرها فحسب، بل يستعيد المجتمع ثقته بنفسه. ومن هذه الثقة قد يبدأ اليمن الذي ننتظره.