يمثل المشهد السياسي اليمني حالة معقدة تتشابك فيها العوامل التاريخية، والاجتماعية، والسياسية. وقد أفرز هذا التشابك واقعاً مأزوماً تتحكم فيه قوى حزبية مهيمنة وأخرى محللة تدور في فلكها. ونتيجة لهذا السلوك الأناني للقيادات الحزبية التقليدية، تأثرت مؤسسات الدولة وشباب الأحزاب بشكل عميق ، مما يضعنا أمام إشكاليات بنيوية خطيرة تتطلب تفكيكاً عميقاً لفهم تداعياتها الكارثية.
على أي حال ، تعد شيخوخة القيادات الحزبية في اليمن أحد أبرز التحديات التي تواجه التطور السياسي والاجتماعي. هذه الظاهرة لا تعني فقط تقدم العمر، بل تشير إلى جمود في الفكر والتوجهات، وعدم القدرة على استيعاب المتغيرات الحديثة أو التكيف مع متطلبات العصر. الأهم من ذلك، أن جزءاً كبيراً من هذه القيادات لم يتبن الثقافة العصرية ومبادئ الحوكمة وقوانين الدولة الحديثة.
هذا الغياب للثقافة المدنية يؤدي إلى استمرار التمسك بمنظومات قيمية وإدارية لا تتوافق مع بناء دولة مؤسسات حديثة، حيث تقدم الولاءات الضيقة على المصلحة الوطنية العليا.
لا تزال العديد من القيادات الحزبية تحمل معها إرثاً ثقيلًا من العصبية العشائرية والطائفية. هذا الموروث ينعكس سلبا على العمل الحزبي والوطني ، ويحول دون بناء مجتمع مدني ودولة مواطنة تقوم على المساواة والعدالة.
فبدلاً من أن تكون الأحزاب حاضنة للتنوع الفكري والسياسي، تتحول إلى تجمعات تعزز الانقسامات القائمة على الهوية الفرعية . لا تزال في وعي معظم قادة الأحزاب ثقافة إقصائية قمعية يمكن تسميتها بـ "ثقافة القبو والأعصية الكهربائية"، وهي موروث مستنسخ من أساليب الأجهزة الأمنية القمعية السابقة (كجهاز محمد خميس).
هذه الروح التسلطية ما زالت عالقة في ممارساتهم من خلال جلد صاحب الفكرة المختلفة ، وخنق أي محاولة للتجديد أو النقد البناء ، مما أدى إلى تهميش الكفاءات وتغليب الولاء على الكفاءة .
على العموم لم يقتصر تأثير هذه القيادات على الأحزاب فحسب، بل امتد ليشمل جميع مؤسسات الدولة، مما أدى إلى خلق بيئة حاضنة لسلوك ميكافيلي.
في هذا السياق، تبرر الغاية الوسيلة، وتصبح المصلحة الشخصية أو الحزبية فوق الدستور والقانون ، هذا السلوك الميكافيلي أفرز بدوره "قادة من المتهافتين والانتهازيين والمنتفعين"، الذين يفتقرون لأبسط القيم الأخلاقية، مما أدى إلى تآكل الثقة في مؤسسات الدولة ، وتحولت مؤسسات الدولة الى مرتعاً للمصالح الضيقة والفساد المستشري .
وأصبح الشباب هم الضحية الأكبر لهذا السلوك ، لقد رسخت الأحزاب الحاكمة - درساً عملياً سيئاً للشباب، مفاده أن "النجاح والصعود لا يعتمد على الكفاءة أو المبادئ، بل على مدى القدرة على النفاق، والانتهازية، والتكيف مع السلوك الميكافيلي
.
في الختام نستطيع القول ، بان أزمة الأحزاب اليمنية اليوم ليست مجرد أزمة مقرات أو تمويل، بل هي أزمة أخلاقية وبنيوية في قياداتها التي عجزت عن مغادرة الماضي وأساليبه القمعية والانتهازية.
وإن استمرار هذا الوضع لا يهدد الأحزاب بالفناء والتحلل الفكري فحسب، بل يهدد مستقبل الدولة اليمنية برمتها عبر تجريف طاقات شبابها وتدمير ما تبقى من مؤسساتها ومواطنتها المدنية. إن الحاجة باتت ملحة لثورة تصحيحية داخل هذه الكيانات تعيد الاعتبار للكفاءة، والنزاهة، والشباب.





