شعب يبحث عن راتبه منذ سنوات، فإذا به يجد نفسه يبحث عن موقفه من معركة انتهت قبل أكثر من أربعة عشر قرنا!.
في اليمن، لا يبدو الجوع هو القضية الأولى، ولا انهيار التعليم، ولا فساد السياسة، ولا استباحة كرامة الإنسان، بل السؤال المصيري الذي يشغل العقول: أأنت مع علي أم مع معاوية؟.
أما الراتب الذي صادره الحوثيون، أو الوظيفة التي التهمتها الحرب، أو الطفل الذي كبر وهو لا يعرف سوى صوت المدفع، فكلها قضايا مؤجلة… إلى أن يحسم أولًا الخلاف الذي حسم عند الله منذ قرون..
الخطباء يرفعون أصواتهم، والمثقفون يكتبون المقالات، والحزبيون يتبادلون الشتائم، والموالون للشرعية والانقلابيون يتنازعون على رجالٍ انتقلوا إلى جوار ربهم، بينما الأحياء يتسابقون إلى المقابر جوعا وفقرا وقهرا..
لو أن علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان عادا اليوم، فربما كان أول سؤال يوجهانه لهؤلاء: لماذا تركتم أوطانكم تضيع، وجعلتم أسماءنا سلاحا في معارككم؟.
ما الذي سيجنيه الموظف الذي لم يقبض راتبه منذ سنوات إذا انتصر رأيه في نقاش تاريخي؟ وهل سيشبع أطفاله لأن خصمه اعترف بخطأ معاوية؟ أو لأن مؤيده أثبت فضل علي؟.
أي عقل هذا الذي يقبل أن تسرق لقمة عيشه، ثم يخرج غاضبا لا من السارق، بل من رجل عاش قبل أربعة عشر قرنا؟.
أي منطق يجعل الإنسان أشرس في الدفاع عن وقائع التاريخ من دفاعه عن حقه في الحياة الكريمة؟.
لقد صار بعض الناس يقاتلون من أجل الماضي أكثر مما يقاتلون من أجل المستقبل، ويستميتون في إثبات صحة موقف تاريخي، بينما يعجزون عن المطالبة بحقوقهم التي تنهب أمام أعينهم كل صباح..
المأساة ليست في الاختلاف حول التاريخ؛ فالتاريخ يدرس ويفهم ويناقش. المأساة أن يتحول إلى مخدر جماعي، يلهي الجائع عن جوعه، والمظلوم عن ظالمه، والمواطن عن وطنه..
إن الأمم الحية تناقش كيف تبني مدارسها، وكيف تطور اقتصادها، وكيف تحمي كرامة مواطنيها. أما حين تصبح الأمة أسيرة معارك الماضي، فإنها تمنح الطغاة أفضل هدية: شعبا منشغلا بكل شيء… إلا بمن يحكمه وكيف يحكمه..
ليس العيب أن تحب عليا، ولا أن تدرس سيرة معاوية، ولا أن تبحث في صفحات التاريخ بعقل منصف. العيب أن تجعل ذلك بديلا عن مواجهة الفقر، والجهل، والفساد، والاستبداد..
سيأتي يوم يكتب فيه تاريخ هذه المرحلة، ولن يسأل المؤرخ: من انتصر في الجدال حول علي ومعاوية؟ بل سيسأل: كيف استطاع شعب أن يترك مستقبله ينهب، بينما كان منشغلا بإعادة تمثيل معارك انتهت منذ قرون؟.
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يؤرق الضمائر!.





