من المعلوم، في كل دول العالم، أنه كلما فقدت العملة الوطنية شيئًا من قيمتها ، انعكسَ ذلك سلبًا على أسعار السلع والمواد، وعلى كل الأشياء . والعكس صحيح أيضًا ؛ فكلما تحسَّنت العملةُ الوطنية في سوق الصرف، هبطت تلك الأسعار بموازاة هبوط العملات الأجنبية، وتحديدًا الدولار الأميركي .
فحين ارتفع الدولار وتجاوز حاجزَ الألفيْن ريال يمني، اشتعلت أسعار السلع والخدمات كالنار في الهشيم ، ثم رأينا الريال يتحسّن نسبيًا في سوق الصرف ، ولكن تلك الاسعار بقت ثابتة وصلبة في مواجهة ذاك الانخفاض للدولار أو الريال السعودي .
فالريال السعودي انخفض من 800 ريال يمني إلى النصف تقريبًا (نحو 400 ريال) ، والمفارقة الصادمة ، أن الأسعار ظلّت عالقة في قمتها السابقة، وكأنَّ العملة الوطنية لم ترتفع سنتًا واحدًا !
التاجر كان يردُّ دومًا على تساؤل العملاء بكونه اشترى أو استورد بضاعته بالريال السعودي ، وعلى هذا الأساس يبيعها وبما يوازي قيمة الريال السعودي في سوق الصرف .
حسنًا ، لقد مضى ذلك الوقت ، فالريال السعودي اليوم يساوي 400 ريال يمني، وهو نصف قيمته السابقة، فكيف أن المواد والسلع مازالت بقيمتها السابقة .
وما هو أغرب أن التاجر كان يبيع ويشتري بضاعته بالريال السعودي أو بما يوازيه في سوق العملة ، وعندما انخفضا الريال والدولار أضحى يحدد سعره بالريال اليمني ، وهذه حيلة من جملة ألاعيب لا تتوقف .
وكان الاعتقاد السائد أن تراجع الأسعار سيحدث لا محالة بعد مضي فترة وجيزة ، خاصةً مع تخوّف التجار الدائم من انخفاض العملات الأجنبية فجأة، ودون مقدمات أو مؤشرات اقتصادية تدفعهم إلى الاطمئنان .
لكننا اليوم نتحدث عن مدة تجاوزت الثمانية الأشهر تقريبًا ، والأسعار لم تنحرف قيدَ شعرة! والأخطر من ذلك، أن معظم حاجات اليمنيين قد تم استيرادها وشراؤها بسعر الصرف الجديد ، ومع ذلك، لم تنخفض الأسعار إلى النصف، وتمسّكت بقيمتها القديمة وكأنها مقدسات لا تمسّ ! .
أليس من العجيب أن نرى سعرَ الغذاء أو الدواء ، بقي كما هو، رغم أن كلفة استيرادها الجديدة انخفضت إلى النصف؟! .
وكأن السوق اليمنية قد تحوّلت إلى سوق "بائع" لا "مشتري"، حيث يُحتكر الرفع ولا يُحتكر الخفض ، أو أن المواطن الجائع قد خُلق ليُدفع فرقَ العملة مرتين ؛ مرةً حين ترتفع، ومرةً حين تنخفض، بينما يكتفي التاجر بابتسامة باردة ومرددًا كلماته المعتادة : "البضاعة قديمة"!
نعم، قد تكون البضاعة قديمة في المخازن لشهر أو شهرين ، لكن الفترة نيفت السنة ، وتجاوزت كل الأعذار، واستنفدت كل الحجج .
والسؤال الذي يصرخ وجعًا وحيرة دونما يجد إيجابة شافية ؛ ما هذا الشذوذ الاقتصادي الذي يحدث في هذه البلاد - واعتذر عن مفردة الشذوذ - وما السبب الوجيه، والمقنع، والعلمي ، لبقاء المواد الغذائية والدواء والسلع الأساسية محتفظة بسعرها السابق، وكأن سعر الصرف الحالي ليس حقيقيًا ، وكأننا نتعامل بعملة خيالية لا ترتبط بسوق الصرف المحلي ؟!
أفيدونا يا خبراء الاقتصاد، والعملة، والبورصة ؟ أفيدونا يا تجار الجملة، ويا كبار المستوردين ؟ وأين وزارة الصناعة؟ وأين اتحاد الغرف التجارية؟ فما يحدث ليس مجرد خلل في المعادلة الاقتصادية؛ إنه اغتيال صريح لمفهوم السوق، وتجريفٌ ممنهج لقدرة المواطن على مواجهة الحياة اليومية .
فحين نرى الأسعار ترتفع كالصاروخ في لحظة ضعف العملة، وترفض الانخفاض عند عودة القوة، ندرك أن هناك من يتاجر بجوع الناس، ويجعل من أزمات هذه البلاد غنيمة وربحًا في جيبه .
الاقتصاد ليس مسرحًا للعبث، ولا سوقًا للفوضى ، فإلى متى سيظل حالنا على هذه الشاكلة من الممارسات العبثية التي يدفع فاتورتها عامة الناس ؟ والى متى يظل التاجر اليمني فوق القانون وبعيدًا عن الرقابة أو المحاسبة ؟
الأرقام لا تكذب، والسياسات الاقتصادية لا تُبنى على الأعذار أو الأوهام ؛ فإما أن تنخفض الأسعار كما انخفضت العملات الأجنبية، وإما أن نعلم جميعًا أن السوق اليمنية قد تحوّلت إلى عصاباتٍ للاحتكار ، لا تخضع لأي منطق إلا منطق الجشع.





