الأربعاء، 9 سبتمبر 2026 | الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

الأسعار ارتفاع بلا هبوط ..

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

من المعلوم، في كل دول العالم، أنه كلما فقدت العملة الوطنية شيئًا من قيمتها ، انعكسَ ذلك سلبًا على أسعار السلع والمواد، وعلى كل الأشياء . والعكس صحيح أيضًا ؛ فكلما تحسَّنت العملةُ الوطنية في سوق الصرف، هبطت تلك الأسعار بموازاة هبوط العملات الأجنبية، وتحديدًا الدولار الأميركي .

فحين ارتفع الدولار وتجاوز حاجزَ الألفيْن ريال يمني، اشتعلت أسعار السلع والخدمات كالنار في الهشيم ، ثم رأينا الريال يتحسّن نسبيًا في سوق الصرف ، ولكن تلك الاسعار بقت ثابتة وصلبة في مواجهة ذاك الانخفاض للدولار أو الريال السعودي .

فالريال السعودي انخفض من 800 ريال يمني إلى النصف تقريبًا (نحو 400 ريال) ، والمفارقة الصادمة ، أن الأسعار ظلّت عالقة في قمتها السابقة، وكأنَّ العملة الوطنية لم ترتفع سنتًا واحدًا !

التاجر كان يردُّ دومًا على تساؤل العملاء بكونه اشترى أو استورد بضاعته بالريال السعودي ، وعلى هذا الأساس يبيعها وبما يوازي قيمة الريال السعودي في سوق الصرف .

حسنًا ، لقد مضى ذلك الوقت ، فالريال السعودي اليوم يساوي 400 ريال يمني، وهو نصف قيمته السابقة، فكيف أن المواد والسلع مازالت بقيمتها السابقة .

وما هو أغرب أن التاجر كان يبيع ويشتري بضاعته بالريال السعودي أو بما يوازيه في سوق العملة ، وعندما انخفضا الريال والدولار أضحى يحدد سعره بالريال اليمني ، وهذه حيلة من جملة ألاعيب لا تتوقف .

وكان الاعتقاد السائد أن تراجع الأسعار سيحدث لا محالة بعد مضي فترة وجيزة ، خاصةً مع تخوّف التجار الدائم من انخفاض العملات الأجنبية فجأة، ودون مقدمات أو مؤشرات اقتصادية تدفعهم إلى الاطمئنان .

لكننا اليوم نتحدث عن مدة تجاوزت الثمانية الأشهر تقريبًا ، والأسعار لم تنحرف قيدَ شعرة! والأخطر من ذلك، أن معظم حاجات اليمنيين قد تم استيرادها وشراؤها بسعر الصرف الجديد ، ومع ذلك، لم تنخفض الأسعار إلى النصف، وتمسّكت بقيمتها القديمة وكأنها مقدسات لا تمسّ ! .

أليس من العجيب أن نرى سعرَ الغذاء أو الدواء ، بقي كما هو، رغم أن كلفة استيرادها الجديدة انخفضت إلى النصف؟! .
وكأن السوق اليمنية قد تحوّلت إلى سوق "بائع" لا "مشتري"، حيث يُحتكر الرفع ولا يُحتكر الخفض ، أو أن المواطن الجائع قد خُلق ليُدفع فرقَ العملة مرتين ؛ مرةً حين ترتفع، ومرةً حين تنخفض، بينما يكتفي التاجر بابتسامة باردة ومرددًا كلماته المعتادة : "البضاعة قديمة"!

نعم، قد تكون البضاعة قديمة في المخازن لشهر أو شهرين ، لكن الفترة نيفت السنة ، وتجاوزت كل الأعذار، واستنفدت كل الحجج .

والسؤال الذي يصرخ وجعًا وحيرة دونما يجد إيجابة شافية ؛ ما هذا الشذوذ الاقتصادي الذي يحدث في هذه البلاد - واعتذر عن مفردة الشذوذ - وما السبب الوجيه، والمقنع، والعلمي ، لبقاء المواد الغذائية والدواء والسلع الأساسية محتفظة بسعرها السابق، وكأن سعر الصرف الحالي ليس حقيقيًا ، وكأننا نتعامل بعملة خيالية لا ترتبط بسوق الصرف المحلي ؟!

أفيدونا يا خبراء الاقتصاد، والعملة، والبورصة ؟ أفيدونا يا تجار الجملة، ويا كبار المستوردين ؟ وأين وزارة الصناعة؟ وأين اتحاد الغرف التجارية؟ فما يحدث ليس مجرد خلل في المعادلة الاقتصادية؛ إنه اغتيال صريح لمفهوم السوق، وتجريفٌ ممنهج لقدرة المواطن على مواجهة الحياة اليومية .
فحين نرى الأسعار ترتفع كالصاروخ في لحظة ضعف العملة، وترفض الانخفاض عند عودة القوة، ندرك أن هناك من يتاجر بجوع الناس، ويجعل من أزمات هذه البلاد غنيمة وربحًا في جيبه .

الاقتصاد ليس مسرحًا للعبث، ولا سوقًا للفوضى ، فإلى متى سيظل حالنا على هذه الشاكلة من الممارسات العبثية التي يدفع فاتورتها عامة الناس ؟ والى متى يظل التاجر اليمني فوق القانون وبعيدًا عن الرقابة أو المحاسبة ؟

الأرقام لا تكذب، والسياسات الاقتصادية لا تُبنى على الأعذار أو الأوهام ؛ فإما أن تنخفض الأسعار كما انخفضت العملات الأجنبية، وإما أن نعلم جميعًا أن السوق اليمنية قد تحوّلت إلى عصاباتٍ للاحتكار ، لا تخضع لأي منطق إلا منطق الجشع.