الخميس، 2 يوليو 2026 | الموافق ١٦ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

الأحمدي من رجل الظل إلى ضيف الكاميرات

خلاصة سريعة خلاصة سريعة

حين يخرج رئيس جهاز الإستخبارات  إلى العلن ،فهو لا يكشف أسرار فقط ،بل يكشف أن الجهاز نفسه لم يعد قادر على حماية نفسه، والدول التي يتحول جهاز أمنها من حصن غامض وصامت ومهاب إلى مسرح مكشوف، تكون عرضة للتآكل من الداخل حتى تصبح قشور جوفاء،

انتهيت من الإستماع. وحقيقة ما يحدث اليوم هو امتداد طبيعي لذلك الانهيار، فالدولة التي لم تحاسب هادي على تفريطه بالبلاد ولم تحاسب الإخوان على تخريبهم المؤسسات وتسليم مفاتيحها لإيران، ولم تحاسب الأحمدي ومنهم في مستواه من المسؤولين على فشلهم الأمني، هي دولة تنتج الإفلات من العقاب بشكل منهجي.

وحين لا تحاسب القيادات الفاشلة والخائنة والمتورطة، فإنها لا تكتفي بالهروب من مسؤوليتها ،بل تصعد إلى المنصات الإعلامية لتعيد صياغة التاريخ وتوزع التهم على كيفها ومزاجها، وهذا هو المعنى الحقيقي لمنصة اليمن بودكاست كورشة لإعادة هندسة الذاكرة الوطنية والجماعية.

العقيدة الاستخباراتية في معظم الدول ذات المؤسسات الراسخة ،تقوم بشكل رئيس على الحد من الظهور الإعلامي لقيادات الأجهزة الأمنية والحفاظ على سرية المعلومات والعمليات حتى بعد انتهاء الخدمة، من واشنطن إلى موسكو ومن لندن إلى تل أبيب القاعدة تقول وتؤكد أن رجل المخابرات لا يتقاعد عن الصمت كما يتقاعد عن المنصب.

الصمت الأمني والاستخباراتي ليس فضيلة أخلاقية بل هو وظيفة أمنية مستمرة ،ما دام الرجل يتنفس ويحمل في رأسه خريطة الشبكات وأسماء المصادر وطبائع العمليات في المؤسسات الأمنية، وحين يجلس الأحمدي مع الأسف الشديد أمام مايك وعدسة بودكاست ليروي كواليس الاستخبارات وسقوط صنعاء، فهو لا يكتفي بسرد رواية تاريخية.

بل يفتح باب لتحليل آليات عمل الأجهزة الأمنية وطبيعة قراراتها، وهو ما قد يحمل تبعات تتجاوز مجرد الإدلاء بشهادة إعلامية، فحتى ما يسكت عن الإجابة عنه يقرأ استخباراتي وأمنيًا صمته كإجابة بل حتى حركته أمام الأسئلة.

الأجهزة الأمنية في أي دولة في العالم ليست كباقي المؤسسات، فهذه الأجهزة هي أول من يخوض المواجهة دفاعًا عن البلد وعن الدولة في مرحلة تكون لا تزال التهديدات مجرد معلومات، وهي أيضًا آخر جهاز يهزم في المعركة.

الجيش قد ينسحب والحكومة قد تستقيل والرئيس قد يرحل، لكن جهاز الأمن يبقى هو الحصن الأخير والخط الأحمر والشريان الذي إن انقطع سقطت الدولة كلها، ولهذا يثير ظهور رئيس هذا الجهاز في بودكاست نقاش مشروع حول حدود ما ينبغي أن يبقى داخل الذاكرة المؤسسية للأجهزة الأمنية وما يجوز طرحه في المجال العام، ليس لأنه كشف أو يكشف أسرار فحسب بل لأنه حين ينهار جهاز الأمن أخلاقيًا ومؤسسيًا تكون الدولة بأكملها قد دخلت المرحلة النهائية من الانهيار، مثل المريض في مرحلة الاحتضار التي لا يمكن إنقاذه منها.

والكارثة تتعمق مخاطرها أكثر حين نفهم أن المنصة التي اختارها ليست محايدة ولا قناة مستقلة ولا منصة صحفية مهنية، بل ذراع إعلامي لتنظيم كان شريك وفاعل رئيسي في هندسة الانهيار، ومن زاوية مهنية ظهور رئيس مخابرات سابق في منصة يمولها تنظيم له أجندته الخاصة في الصراع على السلطة، هو أمر لا يحدث في أي دولة تحترم نفسها، لأن هذا لا يفهم أبدًا أو يفسر بأنه حوار بل تسريب موجه تصاغ فيه الروايات، لتخدم طرف ضد طرف، وتعاد فيها كتابة التاريخ ويحمل الآخرون وزر ما فشل هو ومن كان معه في منعه.

أما الكارثة الكبيرة أن رئيس جهاز أمن قومي وبحكم وظيفته رجل ظل، لا تصل إليه الكاميرات ولا تعرفه المنصات ولا يكتب اسمه في الصحف، فطبيعة الوظيفة نفسها تقتضي أن يكون غائب عن العلن، لأن حضوره الإعلامي وحتى الإجتماعي هو في ذاته كشف لهيكل الجهاز.

الدول المحترمة لا تسمح لرئيس مخابراتها حتى بعد تقاعده بأن يظهر في بودكاست لأن الظهور نفسه يفقد الجهاز هيبته، ويكشف للخصوم أن الرجل الأول أصبح متاح، وأن أسراره أصبحت قابلة للنقاش

في بريطانيا رئيس MI5 لا يعرف وجهه حتى بعد تقاعده، وفي إسرائيل رئيس الموساد لا يظهر في صورة رسمية إلا بشكل نادر، وفي أمريكا مدير CIA يمنع من الحديث عن عمليات جرت قبل عقود، ولكن في اليمن يتحدث رئيس الأمن القومي 5 ساعات في بودكاست يموله تنظيم شريك في الكارثة ،التي فشل الأحمدي وزملاؤه ومن هم في مستواه في منعها.

هذا التحول من رجل ظل إلى ضيف الكاميرات هو اعتراف ضمني بأن الجهاز فقد قدرته على البقاء في الظل، وهي القدرة التي كانت جوهر وظيفته، ويثير تساؤلات مهمة وخطيرة حول حدود الفصل بين الإرث المهني لرؤساء الأجهزة الأمنية، ومتطلبات النقاش العام بعد مغادرتهم مناصبهم.

فحين يخرج رئيس الجهاز إلى العلن فهو لا يكشف أسرار فقط بل يكشف أن الجهاز نفسه لم يعد قادر على حماية نفسه، والدول التي يتحول جهاز أمنها من حصن غامض وصامت ومهاب إلى مسرح مكشوف تكون عرضة للتآكل من الداخل حتى تصبح قشور جوفاء، وهذا بالضبط ما يجعل من منصة اليمن بودكاست مرآة سوداء تعكس حجم الانهيار، وأزمة العلاقة بين الأمن والسياسة وإعادة تشكيل الرواية العامة.

جهاز الأمن الذي كان يجب أن يكون آخر خط دفاعي عن الدولة تحول اليوم إلى أول خط للهجوم على هيبتها، ورئيسه الذي كان يجب أن يكون أعمق أسرار الدولة، تحول إلى أكثر أسرارها انكشافًا، والنتيجة الحتمية أن الحوثي أو غيره من أعداء هذا البلد لا يحتاجون إلى جواسيس حين يجدوا خصومهم يفككون أنفسهم أمام الكاميرات، فكل حلقة من هذه الحلقات هي هزيمة استراتيجية تسجل للدولة، من مقابلة وزير الدفاع إلى مقابلة رئيس الأمن القومي، لأن كل سر يكشف على الصعيد العسكري والأمني هو طعنة في الأمن القومي للبلد.

وكقاعدة الدول لا تبنى بالبودكاست والمنصات الإعلامية ولا حتى بالشفافية الانتحارية بل بمؤسسات صامتة تحمي أسرارها قبل أن تحمي حدودها، ومن يتحول جهازه الأمني إلى مسرح مكشوف، لا يكشف الفساد بل يكشف عجز الدولة عن حماية نفسها.