من أخطر ما يحدث للشعوب أن تنشغل بالأعراض حتى تنسى المرض، وأن تخوض معارك صغيرة بينما تُسرق منها المعركة الكبرى..
ليست المشكلة أن نغضب من الفساد، بل المشكلة أن يحدد لنا الآخرون أي فساد يستحق غضبنا، ومتى نغضب، وكم يجب أن يستمر غضبنا..
بالأمس انشغل الناس بتعيين وزيرة الخارجية واليوم ينشغلون بقضية المنح الدراسية، وغدا سينشغلون بقضية أخرى، وبعد غد بقضية رابعة. تتغير العناوين، لكن المستنقع يبقى كما هو..
نعم، المحسوبية في الابتعاث فساد..ونعم، منح الامتيازات للأقارب والمعارف جريمة أخلاقية ووطنية..
لكن السؤال الأهم: هل المنح هي المشكلة، أم أنها مجرد إحدى ثمار الشجرة المريضة؟.
هل المنح أخطر من تعليم فقد رسالته؟.
هل هي أخطر من جامعات تتاجر بالشهادات بينما يتوهم الناس أنهم يشترون مستقبلا؟.
هل هي أخطر من كليات طب تخرج إلى المجتمع حملة شهادات يقتلون بها الناس، فيصبح الخطأ الطبي نتيجة طبيعية لانهيار التعليم؟.
هل هي أخطر من الجوع؟ أو أخطر من الفقر؟ أو حتى أخطر من انهيار الخدمات؟ هل هي أخطر من دولة غابت حتى أصبح الناس يتجادلون حول تفاصيل الخراب وينسون الخراب نفسه؟.
إن الفساد لا يبدأ بمنحة، ولا ينتهي بإلغائها، فالمنحة الفاسدة ليست أصل الداء، بل أحد أعراضه والواسطة ليست المرض، بل الحمى التي تكشف وجود المرض..
أما المرض الحقيقي فهو انهيار المؤسسات، وغياب القانون، واستبدال الكفاءة بالقرابة، وتحويل الدولة إلى غنيمة..
حين يغيب العدل، تصبح المنح فاسدة. وحين يغيب القانون، تصبح الوظائف فاسدة. وحين تغيب الدولة، يصبح الفساد هو القاعدة والنزاهة هي الاستثناء.
لهذا لا يكفي أن نحاسب بعوضة ونترك المستنقع. لا يكفي أن نلعن ثمرة فاسدة بينما نسقي الشجرة نفسها كل يوم. ولا يكفي أن نطفئ شرارة صغيرة بينما البيت كله يحترق!.
إن أخطر أنواع التضليل ليست الكذبة، بل الحقيقة الصغيرة التي تستخدم لإخفاء الحقيقة الكبيرة..
حاربوا فساد المنح، نعم، لكن لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم أن المنح هي كل القضية. لا تنشغلوا بالبعوض حتى تنسوا المستنقع.
فالأوطان لا تسقط بسبب بعوضة واحدة، بل لأنها تركت المستنقع يكبر حتى ابتلع كل شيء..




