إذا كانت الحرب، كما تقول الرياض، حربًا بين اليمنيين ومليشيا الحوثيين الانقلابية، وليست حربًا سعودية، فلماذا تتفاوض السعودية مع المليشيا بوصفها الطرف المقابل؟ ولماذا تتجه الوساطات نحو تهدئة توقف الهجمات على المملكة، بدل التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار بين المليشيا والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا المختطفة في الرياض ، صاحبة السيادة والطرف الذي يفترض أن التحالف تدخل أصلًا لإعادته إلى السلطة؟
منذ عام 2022، أجرت السعودية محادثات مباشرة مع مليشيا الحوثيين الانقلابية ركزت على أمن حدود المملكة وعلاقاتها المستقبلية مع المليشيا. وفي عام 2023، استضافت الرياض وفدًا حوثيًا لمناقشة وقف إطلاق النار وخروج القوات الأجنبية، بينما أُجّل الحل السياسي اليمني الشامل إلى مسار أممي لاحق.
وهذا يعني أن الرياض تتعامل مع المليشيا بوصفها طرفًا مباشرًا عندما يتعلق الأمر بأمنها، لكنها تعيد تقديم الحرب باعتبارها شأنًا يمنيًا داخليًا عندما يتعلق الأمر بمسؤولية استعادة الدولة وحماية اليمنيين.
وفي جولة التصعيد الحالية، لم يكن تمدد المليشيا داخل اليمن أو دخولها المخا وحده الدافع المباشر للتحرك نحو التهدئة؛ بل برز هذا التوجه بصورة واضحة بعدما وصلت الصواريخ والمسيّرات إلى الرياض وينبع والطائف وخميس مشيط، وهددت المطارات والمنشآت النفطية والمدن السعودية.
وبحسب مسؤولين إقليميين تحدثوا إلى وكالة أسوشيتد برس، تواجه المملكة نقصًا في صواريخ الاعتراض، وطلبت دعمًا للدفاع الجوي من عدد من حلفائها. لكنها لم تحصل حتى الآن على دعم عسكري مباشر ومعلن، وهنا برزت تحركات تقودها عُمان ومصر لخفض التصعيد ومنح الدبلوماسية فرصة.
وهنا السؤال…لماذا تصبح التهدئة ضرورة عاجلة عندما تُضرب السعودية، بينما لم تطلب الرياض تهدئة مماثلة عندما هاجمت المليشيا مأرب وتعز والجوف وبقية المناطق اليمنية؟ ولماذا تُسخّر الوساطات لحماية المدن والمنشآت السعودية، ولا تُستخدم بالقوة والسرعة نفسيهما لمنع المليشيا من قتل اليمنيين والاستيلاء على مزيد من أراضيهم؟
ليست المشكلة في أن تبحث السعودية عن حماية أراضيها؛ فهذا حقها. المشكلة هي أن يتحول السلام من مشروع لاستعادة الدولة اليمنية إلى مجرد ترتيب أمني يحمي الحدود والمصالح السعودية، ويترك ميزان القوة داخل اليمن لمصلحة مليشيا الحوثيين الانقلابية.
وحتى إذا احتاجت السعودية إلى اتفاق أمني يحمي حدودها ومدنها، فلا يجوز أن يحل هذا الاتفاق محل وقف شامل لإطلاق النار بين الحكومة اليمنية والمليشيا، أو أن يترك اليمنيين خارج التفاهمات التي تحدد مستقبل بلادهم.
أي تهدئة جادة يجب أن تشمل وقف الهجمات داخل اليمن وعبر حدوده، وأن تكون الحكومة اليمنية المختطفة في الرياض طرفًا رئيسيًا فيها، وأن تتضمن آلية دولية للمراقبة وضمانات تمنع المليشيا من استغلال التهدئة لإعادة ترتيب قواتها أو إعادة التسلح أو مواصلة التوسع العسكري.
أما أن تتفاوض السعودية على وقف الضربات الموجهة إليها، من دون ضمانات توقف هجمات المليشيا داخل اليمن، فذلك لا يصنع سلامًا؛ بل يحوّل التهدئة إلى مظلة لحماية المملكة ومنح المليشيا فرصة لتثبيت مكاسبها وفرض انقلابها بالقوة.
فهل تحوّل هدف التدخل السعودي من استعادة الدولة اليمنية إلى مجرد وقف الصواريخ التي تستهدف المملكة؟ وهل تعتقد الرياض أن تفاهمًا منفردًا مع المليشيا سيجعلها في مأمن، حتى لو استمر تمددها داخل اليمن؟
لا يمكن تسمية وقف الصواريخ عن السعودية سلامًا إذا ظلت المدافع مفتوحة على اليمنيين، ولا يمكن لاتفاق يحمي حدود المملكة ويكرّس انقلاب المليشيا داخل اليمن أن يحقق أمنًا مستدامًا لأيٍّ من البلدين.





