الجمعة، 14 أغسطس 2026 | الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨ هـ
الأخبار العالمية

نعما بيرل ـ تسادوك: عندما تتحول ذاكرة الجدات اليمنيات إلى موسيقى معاصر

نعما بيرل ـ تسادوك: عندما تتحول ذاكرة الجدات اليمنيات إلى موسيقى معاصر

حميد عقبي ● خاص

تبدو تجربة نعمة بيرلءتسادوك واحدة من التجارب المهمة في المشهد الثقافي العبري المعاصر، ليس لأنها تنتمي إلى عائلة ذات جذور يمنية يهودية فحسب، ولكه لأنها اختارت أن تجعل من تلك الجذور مشروعًا فنيًا وبحثيًا طويل النفس.

فهي لا تنتمي إلى جيل المهاجرين الأوائل الذين حملوا اليمن معهم، ولا إلى جيل المطربين التقليديين الذين حافظوا على الألحان كما ورثوها، هي تنتمي إلى جيل ثالث أو رابع يحاول إعادة اكتشاف الذاكرة بعد أن أصبحت جزءًا من التاريخ أكثر من كونها جزءًا من الحياة اليومية.

ولدت نعما بيرل ـ تسادوك عام 1984 في إسرائيل، وهي حفيدة مهاجرين من اليمن وتونس. نشأت في بيئة سمعية متعددة؛ ففي المنزل كانت الموسيقى اليمنية والعربية واليهودية حاضرة باستمرار، بينما كان التعليم الموسيقي الرسمي الذي تلقته أقرب إلى التقاليد الأوروبية الغربية.

وقد وصفت هذا التباين بوضوح عندما أشارت إلى أن ما كانت تسمعه في البيت كان مختلفًا عن الموسيقى التي كانت تُدرَّس في المدارس والمعاهد.

هذه الثنائية بين عالمين موسيقيين أصبحت لاحقًا محورًا مهمًا في تجربتها الفنية. فمن جهة، هناك التراث العائلي الذي يصل إليها عبر الجدات والأجداد وأشرطة الكاسيت وأغاني الأعراس والاحتفالات. ومن جهة أخرى، هناك الأكاديمية الموسيقية الحديثة بما تحمله من نظريات وأساليب وتأثيرات غربية.

تتذكر نعما زياراتها إلى منزل جدتها، حيث كانت الأغاني اليمنية تملأ المكان. كانت الجدة تشغل أشرطة التسجيل، فيبدأ الأطفال بالرقص. لم تكن تلك اللحظات مجرد تسلية عائلية، لكنها كانت عملية نقل غير معلنة للذاكرة. فالأغاني التي كانت تُسمع في البيت حملت معها تاريخًا طويلًا من التجارب الإنسانية والوجدانية التي عاشتها النساء والرجال اليهود في اليمن.

وفي هذا المناخ سمعت لأصوات بارزة مثل أهارون عمرام وتسيون غولان وعفراء هزاع وغيرهم من الفنانين الذين شكلوا جزءًا من المشهد السمعي لطفولتها. غير أن ما جذبها لاحقًا لم يكن فقط الغناء اليمني المعروف، ولكن تلك المناطق المنسية من الذاكرة الموسيقية، وخاصة الأغاني التي كانت النساء يؤدينها داخل البيوت بعيدًا عن المنصات العامة.

بدأ اهتمام نعما بالموسيقى مبكرًا. ففي الصف السادس تعلمت العزف على الغيتار، ثم راحت تستكشف آلات موسيقية أخرى وأنماطًا مختلفة من الأداء. كانت تحضر التدريبات الموسيقية بشغف، وتجلس قرب المسرح في الحفلات الحية، مأخوذة بالسحر الذي تصنعه الموسيقى. ومع الوقت اكتشفت أن متعتها الحقيقية لا تكمن فقط في أداء أعمال الآخرين، وأن عليها كتابة موسيقاها الخاصة.

لذلك اتجهت نحو التأليف والتوزيع الموسيقي، ثم حصلت على درجة في التربية الموسيقية وقيادة الجوقات قبل أن تواصل دراستها العليا. وقد وجدت في جامعة حيفا فضاءً مختلفًا عما عرفته سابقًا. فهناك التقت بيئات ثقافية متنوعة، وعاينت عن قرب التفاعل بين الطلاب العرب واليهود، وهذا أتاح لها إعادة التفكير في مفاهيم الهوية والانتماء والثقافة.

في جامعة حيفا اختارت أن تكرس رسالتها للماجستير لدراسة الموسيقى الشعبية اليهودية اليمنية وعلاقتها بالموسيقى الفنية الإسرائيلية. وكان السؤال الذي شغلها يتعلق بكيفية تمثيل التراث الشرقي داخل السردية الثقافية العبرية الحديثة، وكيف جرى التعامل مع مساهمات كل اولئك اليهود القادمين من البلدان العربية.

ومن خلال بحثها توصلت إلى أن التاريخ الثقافي العبري لم يكن دائمًا منصفًا تجاه هذه التقاليد. فقد هيمنت الرؤية الأوروبية الأشكنازية على المؤسسات الثقافية والفنية لفترة طويلة، بينما ظلت مساهمات اليهود الشرقيين، ومن بينهم اليهود اليمنيون، أقل حضورًا في الخطاب الرسمي.

لم تتعامل بيرل ـ تسادوك مع هذه المسألة كمعركة أيديولوجية بقدر ما نظرت إليها باعتبارها جزءًا من التاريخ ينبغي فهمه ومراجعته. ولهذا تؤكد أن بعض المؤلفين العبريين استفادوا من التراث الشرقي دون أن يمنحوه التقدير الكافي، سواء بسبب سوء الفهم أو التحيزات الثقافية أو الظروف التاريخية التي أحاطت بعملية بناء الهوية الحديثة.

ومن هنا جاء مشروعها الأبرز «آثار الذاكرة»، الذي يمكن اعتباره خلاصة فنية وفكرية لسنوات من البحث والتأمل. فهذا المشروع لم يهدف إلى إعادة إنتاج الأغاني اليمنية القديمة كما هي، الأكثر أهميه أنه يحاول وإلى اليوم استحضار روحها وإعادة صياغتها بلغة موسيقية معاصرة.
إذن، تكمن أهمية المشروع في أنه يركز على التراث الغنائي النسائي اليمني. فبينما حفظ التاريخ أسماء منشدين ومطربين رجال، بقيت أغنيات النساء في فضاء شفهي هش.

كانت النساء يغنين أثناء الولادة والعمل وإعداد الطعام وجلب الماء والاحتفالات العائلية ومراسم الحناء والأعراس. وكانت هذه الأغاني تنتقل من امرأة إلى أخرى، ومن أم إلى ابنتها، دون تدوين أو أرشفة.

وقد أدى ذلك إلى ضياع جزء كبير من هذا التراث الإنساني. فالأغاني لم تُكتب، والتسجيلات قليلة أو مفقودة، والذاكرة البشرية نفسها أخذت تتآكل مع رحيل الأجيال التي عاشت تلك التجربة.

في أثناء بحثها اكتشفت نعما أن بعض الباحثين تمكنوا من تسجيل نساء ورجال ولدوا في اليمن وهم يؤدون تلك الأغاني القديمة. لكن هذه التسجيلات اختفت لاحقًا في ظروف غامضة، وهو ما زاد من شعورها بأهمية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الإرث.

ومن بين الشخصيات التي استوقفتها شخصية «المكوننة» أو النادبة، وهي المرأة التي كانت تقود طقوس الحزن في الجنازات ومجالس العزاء. لفم تكن مجرد مؤدية تقليدية، هي بالفعل كانت شاعرة مرتجلة قادرة على نظم كلمات مؤثرة في اللحظة نفسها. وقد رأت نعما في هذه الشخصية نموذجًا فريدًا للإبداع النسائي الشعبي الذي لم يحظ بالاهتمام الكافي.

ويغطي ألبوم «آثار الذاكرة» دورة الحياة كاملة: الميلاد والزواج والموت. لكنه لا يتوقف عند الطقوس الاجتماعية فقط، الأكثر دهشة وأهمية كونه يقترب أيضًا من الجروح التاريخية العميقة. ومن أبرزها قضية الأطفال اليمنيين المفقودين التي ما تزال تمثل موضوعًا حساسًا في المجتمع العبري.

ففي خمسينيات القرن الماضي اختفى آلاف الأطفال من عائلات يهودية مهاجرة، معظمها من أصول يمنية. ورغم التحقيقات الرسمية المتعددة، بقيت القضية مصدر ألم لكثير من العائلات. وتؤكد نعما أن هذه المأساة مست عائلتها شخصيًا، وأنها لا تستطيع التعامل معها بكونها مجرد حدث تاريخي بعيد.

لذلك يتضمن المشروع عملًا فنيًا يستلهم هذا الجرح الجماعي. وهي تصف عملية تسجيله بأنها كانت تجربة مؤلمة دفعتها إلى البكاء، لأن الأمر لا يتعلق بحكايات مجردة هو مرتبط بحياة أناس حقيقيين وأطفال حقيقيين وعائلات ما زالت تبحث عن إجابات.

موسيقيًا، يتميز المشروع بقدرته على الجمع بين عوالم تبدو متباعدة. فهناك الموسيقى الكلاسيكية الغربية، والأوبرا، والغناء اليمني التقليدي، والعناصر الحديثة في التأليف المعاصر. وتلتقي هذه المكونات داخل بنية موسيقية واحدة دون أن تفقد هويتها الخاصة.

وتؤدي المغنية شاني أوشري دورًا محوريًا في هذا المشروع. وهي مغنية أوبرا ذات جذور يمنية وفارسية، تمتلك قدرة استثنائية على التنقل بين الأساليب الغنائية المختلفة. وقد وجدت فيها نعمة الصوت القادر على تجسيد هذا العالم المركب.

اليوم تواصل نعما بيرل ـ تسادوك مسيرتها الأكاديمية والفنية من جامعة بيتسبرغ في الولايات المتحدة. وهناك تتابع أبحاثها في التأليف والنظرية الموسيقية، بالتوازي مع نشاطها الإبداعي المتواصل.

 

لكن المسافة بين بيتسبرغ واليمن ليست بعيدة في أعمالها. فاليمن بالنسبة لها لم يكن مكانًا جغرافيًا فقط، هو أشبه بطبقة عميقة من الذاكرة. وهي تدرك أن الأجيال الجديدة لم تعش تلك التجربة مباشرة، ولذلك تحاول أن تجعل الموسيقى وسيلة للحفاظ على ما تبقى منها.

لهذا تبدو تجربتها مختلفة عن كثير من الفنانين الذين يستحضرون التراث ويعتبرونه مادة للحنين فقط. فهي تنظر إليه باعتباره مادة حية قابلة للحوار وإعادة الاكتشاف والتجديد. وبين البحث الأكاديمي والتأليف الموسيقي والعمل الثقافي تواصل بناء جسر هادئ بين الماضي والحاضر.

إن قيمة نهذه الباحثة والفنانة النشطة لا تكمن فقط في كونها مؤلفة موسيقية موهوبة، ولكن إذا تأملنا أعمالها ودراساتها ونشاطها سنجد أنها تنمي قدرتها على تحويل الذاكرة إلى مشروع إبداعي نشط ومستمر.

أي إنها تحاول أن تمنح صوتًا لمن بقوا طويلًا خارج السرديات الكبرى، كالنساء اللواتي غنين في البيوت، والأمهات اللواتي حملن الحكايات، والجدات اللواتي حفظن الألحان، ثم رحلن قبل أن تُكتب قصصهن.

إذن يصبح مشروعها أكثر من ألبوم موسيقي؛ فهو عمل جاد ونشط لاستعادة جزء من التاريخ الإنساني والثقافي لليهود اليمنيين، وإعادته إلى الحياة بلغة فنية معاصرة تجمع بين الوفاء للماضي والانفتاح على المستقبل.