تعيش الجماعة الحوثية حالةَ هياجٍ، تحاول فيها الآن إحراقَ كل شيء، شعارها: " عليٌّ وعلى أعدائي ". وهي في المحصلة تؤدي مهمةً عابرة للحدود؛ فاستماتتها من أجل السيطرة على المخأ وتعطيل الملاحة في مضيق باب المندب لا يمكن تفسيرها إلا بأنها تخوض معركةً بالنيابة عن إيران .
إن إطلاق الصواريخ والمسيّرات بهذه الكثافة والعبثية على ميناء المخأ هدفُه الأساس نقل المعركة من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب وتخفيف الضغط عن إيران؛ هذا إذا سلّمنا بأن تهديد الملاحة البحرية يمكن أن يضاعف الأزمة عبر خنق الصادرات النفطية السعودية، فالمضيق نافذةٌ رئيسة لتدفق النفط السعودي إلى آسيا وأفريقيا.
نعم، تحاول الجماعة الحوثية أن تُظهر ذاتها قوةً عسكريةً مسيطرةً مهيمنةً ومهدِّدة ، لكن هذه الصواريخ والمسيّرات لا تعني إلا أنها تنتحر؛ فالقوة الغاشمة المنفلتة دليلٌ على أزمة وجودية يعيشها صاحبها ، والتاريخ زاخرٌ بنماذج القوة المفرطة التي حققت انتصاراتٍ وقتية خادعة، سرعان ما كشفتها مجريات الأحداث .
اليابان هاجمت القاعدة البحرية الأمريكية في بيرل هاربر ، وكانت ضربةً غادرة موجعة، ورغم ما خلّفته من دمار وخسائر وما حققته من انتصارٍ ساحق، فإنها أيقظت راعي البقر ودفعته إلى إلقاء قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي لم يألفهما العالم من قبل ، ومن فرط ما أحدثه السلاح الجديد أذعنت اليابان ورفعت راية الاستسلام.
كما وتنظيم القاعدة قدر له ضرب امريكا في عقر دارها ، وفي صميم رموز قوتها الاقتصادية والتجارية والعسكرية ، ابراج نيويورك ومقر وزارة الدفاع " البنتاجون " .
العبرة هنا لا تُقاس بمعركة واحدة، وإنما بالنتيجة وبمآلات الحرب عمومًا .
لقد أطلق الحوثيون صواريخَ ومسيّراتٍ، واستطاعوا بها ضرب معسكرات ومنشآت مدنية، فقتلوا وأصابوا وألحقوا أضرارًا بشرية ومادية طائلة؛ فهل يمكن القول إنهم انتصروا؟ .
البدايات غالبًا ما تكون في مصلحة المهاجم، لكن المسألة تقاس بالنهايات ، والجماعة الحوثية الانقلابية، طال الزمن أم قصُر، ستكون نهايتها مأساوية .
في الحرب العالمية الثانية، حين اشتدت الغارات الألمانية على لندن، كان ونستون تشرشل يمضي معظم وقته في الملاجئ، لا يغادر ملجأه إلا لمامًا تحاشيًا للغارات .
ويُروى أن صحفيًا سأله: متى تنتهي الحرب ومن ينتصر فيها؟ فأخرج تشرشل من جيبه جنيهًا إسترلينيًا وأجاب : سينتصر من يملك هذا ! وكانت إشارةً ذكية إلى أن النصر في الحروب الطويلة يكون لمن يملك المال والاقتصاد الأقوى .
الخلاصة
الجماعة الحوثية ربما استخدمت كل عتادها وأتباعها المضلَّلين، لكنها لن تنتصر، وستُهزم شر هزيمة ، فلقد سقطت ورقة التوت، ولم يعد اليمن يعنيهم؛ إنهم يخوضون حربًا بالوكالة عن إيران، ومن يقاتل بأجندة غيره يخسر وطنه قبل أن يخسر المعركة .
نعم ، انكشف المستور، وأضحت الجماعة عارية تمامًا ؛ فلا قضية وطنية عادلة تقاتل من أجلها، ولا قدرات مالية أو اقتصادية تمكّنها من تحمّل كُلفة الحرب وتحقيق مكاسب عسكرية من أي نوع ، وما نشهده الآن ليس إلا مقدماتٍ عبثية لنهايات كارثية ..





