جاءت مقابلة وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة مع "الشرق الأوسط" مختلفة في توقيتها ولغتها، والأهم في وضوحها السياسي. فقد وضعت العلاقة بين الحوثيين وإيران في توصيف أكثر دقة من الاختزال المعتاد للجماعة باعتبارها مجرد "أداة" أو "ذراع" إيرانية. تعبير "التخادم" الذي استخدمته الوزيرة يضع العلاقة في مكانها الصحيح: جماعة لها مشروعها المحلي وأجندتها الخاصة، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بإيران بعلاقة عميقة تتقاطع فيها المصالح والأهداف، بحيث يستفيد كل طرف من الآخر لتوسيع نفوذه وتحقيق غاياته..
وهنا تستحق الوزيرة أن يُشد على يدها، لأنها لم تتعامل مع الحوثيين باعتبارهم مجرد تابع ينتظر التعليمات، ولا فصلتهم عن البيئة الإقليمية التي منحتهم الكثير من أسباب القوة والاستمرار. وهذا تشخيص مهم لفهم طبيعة الخطر والتعامل معه..
الأهم في المقابلة أن الزوبة لم تكتف بوصف المشكلة، بل تحدثت بوضوح عن سياسة الاحتواء. فالاحتواء الذي لا تقترن به عواقب واضحة وكلفة حقيقية على خرق الالتزامات لا يتحول إلى طريق للسلام.
بل قد يصبح فرصة لإعادة التموضع والتسليح والاستعداد لجولة جديدة من التصعيد. وهذه خلاصة تستحق التوقف عندها بعد سنوات طويلة من الهدن والمفاوضات التي لم تمنع الحوثيين من استثمار فترات الهدوء في تعزيز قدراتهم..
ومن النقاط المهمة أيضا حديثها عن البحر الأحمر. فالتحالف البحري الدفاعي والتعاون الدولي لحماية السفن خطوة ضرورية، لكنه لا يمكن أن يكون حلا دائما إذا بقيت مصادر التهديد على اليابسة وخارج سلطة الدولة.
حماية السفينة في البحر لا تنهي المشكلة إذا ظل مصدر الصاروخ والطائرة المسيّرة وشبكات التهريب بمنأى عن الردع. ومن هنا تعود القضية إلى أصلها: تمكين الدولة اليمنية من بسط سلطتها على سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية..
وفي سؤالها عما يريده اليمن من العالم، قدمت الوزيرة واحدة من أكثر الرسائل وضوحا في المقابلة: اليمن لا يريد من العالم أن يقاتل نيابة عنه، وإنما يريد منه ألا يطلب من الدولة أن تتخلى عن مسؤولياتها في حماية مواطنيها وسيادتها ومؤسساتها.
وهذه نقطة جوهرية؛ فالمجتمع الدولي يطالب الدولة بالتهدئة وضبط النفس، أمام جماعة مسلحة لا تعترف بقواعد الدولة ولا تدفع ثمنا لخرقها..
والأهم من ذلك قولها إن اليمنيين ليسوا أوراق تفاوض. لا يجوز أن تتحول معاناتهم الإنسانية، أو رواتبهم، أو أمنهم، أو مستقبلهم إلى أدوات ضغط في حسابات سياسية إقليمية ودولية. المساعدات تخفف الألم، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الدولة، والملفات الإنسانية حقوق وليست أوراقا للمساومة..
وفي الجانب المؤسسي، حددت الزوبة ثلاثة اتجاهات لوزارة الخارجية: توفير الإمكانات اللازمة للدبلوماسية اليمنية، وخدمة اليمنيين في الخارج، وتحسين البنية المؤسسية للوزارة واستكمال الإصلاحات التي بدأت في المرحلة السابقة. وهي رؤية عملية تتجاوز الملفات السياسية العاجلة إلى بناء جهاز دبلوماسي قادر على أداء وظيفته..
ويكتسب حديثها عن رواتب الدبلوماسيين والتعيينات أهمية خاصة. فمعالجة أوضاع الكادر ليست ترفا إداريا، إذ لا يمكن الحديث عن دبلوماسية قوية وفاعلة فيما يعاني العاملون فيها من أوضاع مهنية ومعيشية صعبة..
كما أن تأكيدها أن التعيينات ينبغي أن تقوم على الكفاءة والحاجة والأداء والمصلحة الوطنية، مع الالتزام بالقوانين وعدم حرمان المستحقين، يلامس ملفا بالغ الحساسية.
وهناك مستحقون ينتظرون حقوقهم منذ عام 2014، وقد وقع عليهم ظلم كبير، ومن الإنصاف أن تكون معالجة هذا الملف جزءا حقيقيا من الإصلاح المؤسسي لا مجرد عنوان..
ويحسب للوزيرة كذلك أنها لم تتعامل مع عملها باعتباره قطيعة مع المرحلة السابقة، بل أشادت بما أنجزه الدكتور شائع الزنداني، وأكدت أن العمل الدبلوماسي تراكمي.
وهذه إشارة إيجابية، لأن بناء المؤسسات لا يبدأ من الصفر مع كل تغيير في المسؤولين، وإنما يقوم على تطوير ما تحقق وتصحيح الاختلالات واستكمال الإصلاحات..
أما رسالتها إلى الخارج، فهي ربما تختصر الرؤية كلها: استعادة اليمن لمكانه الطبيعي كدولة ذات سيادة وحضارة عريقة، وأن تعكس دبلوماسيته صورة شعب قادر على البناء والتواصل والمساهمة في استقرار محيطه، لا أن يبقى أسيرا لصورة الأزمة وتداعياتها..
هذه المقابلة لا تعني أن الطريق أصبح سهلا، لكنها تكشف عن محاولة لوضع الملفات في سياقها الصحيح: الحوثيون ليسوا مجرد شأن داخلي منفصل عن الإقليم، والسلام لا يعني غياب الردع، وحماية الملاحة لا تكتمل من البحر وحده، والمساعدات لا يمكن أن تكون بديلا عن الدولة، والدبلوماسية لا تنجح من دون مؤسسة وكادر يحظى بالإنصاف..
والرسالة الأهم التي يمكن التقاطها من حديث الزوبة هي أن السلام الذي يحتاجه اليمن ليس سلاما يبقي الدولة ضعيفة والميليشيا قوية، بل سلاما تحميه دولة قادرة على الردع، ومؤسسات تستعيد وظائفها، ومجتمع دولي يساند سيادة اليمن بدلاً من إدارة أزمته إلى ما لا نهاية..
من هذه الزاوية، تستحق وزيرة الخارجية الدعم في هذا الاتجاه: أن تضع العلاقة الحوثية الإيرانية في توصيفها الواقعي، وأن تدافع عن حق الدولة في حماية مواطنيها، وأن تربط السلام بالردع، والدبلوماسية بالإصلاح المؤسسي، والمساعدة الإنسانية باستعادة الدولة. فاليمن، كما قالت، أكبر من هذه السنوات الصعبة، وليس قدرا محكوما بأن يبقى مشكلة دائمة بل يمكن أن يعود فرصة وشريكا ونقطة ارتكاز للاستقرار في المنطقة..





