متابعات ● خاصة
قال الباحث الأثري عبد الله محسن ،أن تمثالان نادران من آثار اليمن في مخزن المنطقة الحرة في مدينة جنيف في سويسرى، تحاولا ليكونا محل نزاع قضائي امتدت جذوره إلى عشر سنوات من التحقيقات التي بدأت في 2016 و2017 وصولا إلى استمرار النزاع حتى عام 2026.
وأكد محسن أنه من خلال الأحكام والوثائق القضائية المنشورة التي أمكن الاطلاع عليها، لا يظهر أي محامٍ أو طرف قانوني يمثل الجمهورية اليمنية في هذه القضية، كما لا يظهر تقديم اليمن تقارير خبرة أو مذكرات فنية ضمن الإجراءات القضائية المنشورة. وتجدر الإشارة إلى تعاقب ست حكومات يمنية خلال هذه الفترة.
.
وكشف محسن أن التمثالان معروفان في الوثائق القضائية السويسرية بالرقمين (ST.FIG.047) و(ST.FIG.048). يمثل الأول شخصية رجل، بينما يمثل الآخر شخصية أنثى في وضعية تقديم قربان..
وذكرت النيابة مادة التمثالين بأنها هيدروكسي كربونات المغنيسيوم أو البروسيت، وأنهما نُحتا بين القرن الأول والقرن الثالث الميلادي، فيما أظهرت تحاليل علمية منشورة على منحوتات يمنية شبيهة من هذا التقليد استخدام حجر قائم على البروسيت.
.
وقال عبد الله محسن " تكتسب مادة البروسيت أهميتها من كونها مرتبطة بمجموعة محدودة من المنحوتات اليمنية القديمة التي دُرست في منطقة الضالع، ولا سيما شكع، وهي منطقة عُرفت بمقبرة كبيرة وبمجموعة من التماثيل الحجرية ذات الملامح الفنية المميزة."
نمط من شخصيات التماثيل
من ناحيتها تحدد الباحثة وعالمة الآثار الإيطالية سابينا أنتونيني نمطاً من الشخصيات الواقفة ذات الأجسام الممدودة نسبياً، والعيون البارزة، مع أذرع تتقدم إلى الأمام في وضعية تقديم قربان أو نذر. ويقترب هذا الوصف بصورة لافتة من الوصف المنشور للتمثال الأنثوي الموجود في جنيف.
وتعتقد أن هذه نماذج هذا التقليد الفني تمثال "سيدة الضالع" المحفوظ في متحف عدن. كما وثقت أنتونيني منحوتات من مقبرة شكع محفوظة في متحف الضالع، وقطعاً أخرى في منازل ومجموعات خاصة، فضلا عن نموذج ظهر في سوق الآثار. وتذكر الباحثة أن "بعض القطع التي شاهدتها في المنازل الخاصة جاءت من حفريات غير قانونية". ولم أجد حتى الآن دليلاً منشوراً يربط تمثالي جنيف مباشرة بأي من تلك المجموعات الخاصة.
.
ويرى محسن أن الأهمية لا تتوقف عند الأسلوب؛ فقد اعتبر تقرير الخبرة، الذي أُعد بطلب من المكتب الفيدرالي للثقافة في 30 مايو 2022م، بحسب ما أوردته الأحكام اللاحقة، أن التمثال الأنثوي قطعة أصيلة وذات قيمة استثنائية، وأن هناك تمثالاً ذكرياً شديد الشبه به، يُرجح أنه يشكل معه زوجاً أو مجموعة مترابطة. وإذا ثبتت هذه العلاقة، فإن القيمة العلمية للقطعتين تصبح أكبر من قيمة كل تمثال منفرد؛ لأنهما قد تحفظان دليلاً نادراً على نمط جنائزي أو شعائري متكامل من اليمن القديم.
تحقيقات سويسرية
وكشف محسن أن القضية بدأت في سياق تحقيقات واسعة نفذتها السلطات في جنيف منذ عام 2016م، وشملت أكثر من عشرة آلاف قطعة أثرية موجودة في مخازن مرتبطة بتجارة الآثار والفنون.
وكان التمثالان موجودين في مخازن الشركة التي شملها التفتيش في 2017م، وظهرا لاحقاً في قائمة القطع المحجوزة التي أحالتها الجمارك إلى النيابة في أبريل 2018م، دون أن يكون مصدرهما الأثري قد حُسم بتقرير فني متخصص.
.
وقال محسن :" جاءت نقطة التحول في 1 مارس 2022م، عندما جرت محاولة لإخراج التمثال الأنثوي من المنطقة الجمركية في جنيف، لإدخاله إلى الأراضي السويسرية وعرضه على عميلة محتملة. عندها أُعيد التدقيق في القطعة، وطلب المكتب الفيدرالي للثقافة تقرير خبرة."
وأضاف أن تقرير الخبراء خلص في 30 مايو من العام نفسه، بحسب ملخصه الوارد في الأحكام، إلى أن التمثال يشكل ممتلكاً ثقافياً بالمعنى القانوني، مع وجود اشتباه قوي في ارتباطه بحفريات غير مشروعة. وفي 5 يناير 2023م، أبلغت سلطات الجمارك النيابة العامة في جنيف رسمياً بالشبهات، ففُتح ملف جنائي. وبعد ذلك، وفي أواخر يناير ومطلع فبراير 2023م، فُرض الحجز القضائي على التمثالين.
.
واصدرت النيابة العامة في 15 مايو 2024م، أمراً جزائياً في القضية. ووفق الوثائق المنشورة، اتجهت النيابة إلى تحميل المتهم مسؤولية مرتبطة بحيازة القطعتين أو استيرادهما، كما أمرت بمصادرتهما وإسنادهما إلى الاتحاد السويسري. لكن القضية لم تنتهِ عند هذه النقطة؛ إذ اعترض الدفاع، وانتقلت القضية إلى محكمة الشرطة في جنيف.
اغلاق القضية وقررت رفع الحجز
فيما أنكر الدفاع أن يكون مصدر التمثالين غير مشروع، ركّزت حجته القانونية الرئيسية أمام المحكمة على مسألة إجرائية تتمثل في أن السلطات، رغم مشاهدتها التمثالين أثناء التحقيق السابق، لم تصادرهما؛ وبالتالي لا يجوز ملاحقة الشخص من جديد بشأن الوقائع نفسها، وفقاً لمبدأ عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن الوقائع نفسها.
.
وتبنت محكمة الشرطة في 20 نوفمبر 2024م، هذا الاتجاه، فأغلقت القضية وقررت رفع الحجز عن التمثالين. وتحدثت الصحافة السويسرية عن استعادة التاجر للتمثالين. غير أن النيابة العامة السويسرية والمكتب الفيدرالي للثقافة طعنا في الحكم، لتعود القضية إلى نقطة أكثر تعقيداً.
وحسب محسن أن الأحكام والوثائق القضائية المنشورة التي اطلع عليها لا تكشف عن أي حضور قانوني للجمهورية اليمنية في الملف. فلا يظهر محامٍ يمثل اليمن، ولا مذكرة يمنية، ولا تقرير خبرة مقدم من جهة يمنية ضمن أوراق القضية المنشورة. ورغم ذلك، ربما تكون هناك تحركات لم تُنشر؛ ولهذا أتمنى أن أكون مخطئاً، وأن يصدر توضيح من السفارة أو الجهات المختصة.
ووضح أن لقاء جمع السفير اليمني في سويسرا الدكتور علي مجور مع فابين باراغا مديرة المكتب الفيدرالي السويسري للثقافة، ورئيسة قسم الخدمة المتخصصة لنقل الممتلكات الثقافية على المستوى الدولي في 19 فبراير 2026 ، تناول خمس قطع أثرية يمنية أخرى ضُبطت في الميناء الحر بجنيف في العام 2009م دون ذكر القطعتين التي يدور حولها الخلاف.
فيما أصدرت غرفة الطعون الجنائية في محكمة العدل بجنيف حكمها في 20 يونيو 2025م، وألغت قرار محكمة الشرطة.
وجوهر الحكم أن معرفة السلطات بوجود التمثالين في المخازن خلال التحقيق السابق لا تعني أن مصدرهما وظروف اقتنائهما قد خضعا لتحقيق كامل.
وأكدت المحكمة أن الخبرة المتخصصة لعام 2022م قدمت عنصراً جديداً ذا أهمية، وهو ما يسمح باستمرار الإجراءات، ولا يجعل القضية مجرد تكرار للملاحقة السابقة. كما ألغت قرار رفع الحجز، وأعادت الملف إلى محكمة الشرطة لاستئناف النظر فيه. وسجل الحكم أيضاً أن طعناً قُدم لاحقاً إلى المحكمة الفيدرالية السويسرية في 25 يوليو 2025م.
.
.
وكشف أن السلطات السويسرية عملت في حماية القطعتين ومنع التصرف فيهما إلى حين استكمال الإجراءات القضائية ، فيما أسهمت الجمارك السويسرية، والنيابة العامة في جنيف، والمكتب الفيدرالي للثقافة، والجهات القضائية المختصة، في إعادة فحص القطعتين، وإخضاعهما للخبرة الفنية، والإبقاء عليهما تحت الحجز القضائي بعد ظهور شبهات جدية بشأن مصدرهما.





