لـم تـعد الأزمة اليمنية مجرد ظرفٍ سياسي عابر يمكن انتظار انقشاعه، ولا حالةً اقتصادية مؤقتة يمكن احتماؤها إلى أن تستعيد البلاد عافيتها.
لـقد تحولت الأزمـة، بفعل طول أمدها وتراكم نتائجها، إلى واقعٍ يومي يثقل حياة المواطن، ويستنزف مؤسسات الدولة، ويعيد تشكيل المجتمع على قاعدة التكيف مع الأزمات، بدل العمل الجـاد على إنهائـها.
وهـنا يبرز السـؤال الأكثر إلحاحًا: هـل ما زلنا ندير الأزمة، أم أننا بدأنا نتعايش معـها؟
فـ إدارة الأزمة تعني أن تكون لها أهداف واضحة، وأدوات محددة، ومراحل زمنية، ومؤشرات تقيس مقدار التقدم نحو الخروج منها.
أمـا التعايـش معـها فيعني أن تتحول المعالجات المؤقتة إلى سياسة دائمة، وأن يصبح ارتـفاع الأسعار أمرًا معتادًا، وتراجـع الخدمات متوقعًا، وتأخـر الرواتب واقعًا يُحتمل، وتدهـور العملة خبرًا يوميًا، والانقـسام السياسي حالةً يُعاد إنتاجها بدلًا من معالجتها.
والمـفارقـة أن المواطن اليمني لم يعد ينتظر الكثير؛ لقد انخفض سقف توقعاته إلى الحد الذي أصبحت فيه استمرارية الحد الأدنى من الحياة إنجازاً.
"وهـذه بحد ذاتها علامـة خطيرة على عمـق الأزمة".
وتـؤكد المعطيات الإنسانية الراهنة أن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات وخدمات حماية في عام 2026، فيما يواجه نحو 18.3 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي. كـما أن الاستجابة الإنسانية نفسها تواجه فجـوة تمويلية كبيرة، الأمر الذي يجعل استمرار الاعتماد على الإغاثة وحدها غير قابل لأن يكون بديلًا عن معالجة جذور الأزمة الاقتصادية والسياسية.
"لـكـن المشكلة اليمنية ليست إنسانية فقـط؛ إنها في جوهرها أزمـة دولـة".
فـحـين يضعف القـرار السياسي، تتراجع قدرة الاقتصاد على التعافي. وحـين يختل انتظام مؤسسات الدولة، تصبح الموارد العامة أقل قدرة على خدمة المجتمع. وحـين تتعدد مراكز القرار، يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف بين سلطات متنافسة واقتصاد منهك واحتياجات تتزايد كل يوم.
ومـن هـنا، فـإن معالجة الوضع المعيشي لا يمكن أن تكون منفصلة عن إصلاح المسار السياسي والمؤسسي. لا يمكن أن نطلب من الاقتصاد أن يتعافى في بيئة سياسية مضطربة، ولا أن نطلب من المستثمر أن يغامر في ظل غياب الاستقرار، ولا أن نطلب من المواطن الصبر إلى ما لا نهاية، بينما تتآكل قدرته على تأمين أبسط احتياجات أسرته.
لـقد أصبح مطلوبـا الانتـقال من اقتصاد إدارة الندرة إلى اقتصاد صناعة الفرص، ومن منطق انتظار المساعدات إلى بناء شراكات تنموية حقيقية، ومن معالجة نتائج الفقر إلى معالجة أسبابه، ومن الإنفاق المتفرق إلى التخطيط الذي يربط الموارد بالأولويات الوطنية.
وهـنا تحـديدًا تبرز أهمية الدولة ومؤسساتها؛ فالـدولة ليست مجرد أجهزة ومكاتب وقرارات، وإنـما هي قدرة على توحيد الأولويات، وضبط الموارد، وحماية المال العام، وتقديم الخدمات، وخلق بيئة اقتصادية قابلة للحياة.
وليـس من الواقعي أن نتوقع حلولًا سريعة لكل تعقيدات اليمن، لكن من الواقعي تمامًا أن نطالب بمسار واضح: إصـلاح مؤسسي، وانـضباط مالي، ومكافـحة حقيقية للفـساد، وتحسـين إدارة الموارد، ودعـم الإنتاج المحلي، وحـماية القوة الشرائية للمواطن، وإعـادة الاعتبار للتخطيط باعتباره أداةً لصناعة المستقبل لا مجرد إعداد تقارير.
كـما أن المجتمع الدولي والأشقاء والأصدقاء يستطيعون مساعدة اليمن، لكن ينبغي أن تكون المساعدة الخارجية رافعةً لبناء الدولة لا بديلًا عنها، وأن تنتقل تدريجيًا من إطـفاء الحرائق إلى تمـويل التعافي والتنمية والبنية التحتية وفرص العمل.
إن أخـطر ما يمكن أن يحدث لليمن ليس استمرار الأزمة فحسب، بل اعتـياد الأزمـة.
فالبلـدان لا تنهار دائمًا بضربة واحـدة؛ بعضها ينهك ببطء، حين يصبح الاستثناء قاعدة، والمؤقت دائمًا، والأزمـة أسلوب حـياة.
ولـهذا، فـإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: متى تنتهي الأزمــة؟
بل: متى نمتلك الإرادة السياسية والمؤسسية للبدء الجـاد في إنهائـها؟
الـوطن لا يحتاج إلى إدارةٍ أفضل للأزمة فحسب، بل يحتاج إلى إدارةٍ وطنية لمرحلة الخروج منها. يحـتاج إلى دولـة تستعيد وظائفها، ومؤسـسات تستعيد هيبتها، واقـتصاد يستعيد قدرته على الإنتاج، وسـياسة تستعيد معناها كوسيلة لإدارة الاختلاف لا لإدامته.
فالتعايـش مع الأزمة قد يمنحنا وقـتًا إضافيًا، لكنه لا يصنع مستـقبلًا.
أمـا إدارة الخـروج منها، فهي بداية الطريق إلى يمنٍ يستطيع المواطن فيه أن يعيش بكرامـة، لا أن يكتفي بمجـرد البـقاء.





