الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026 | الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الأخبار المحلية

لا تـكن سبـبًا فـي خـلق المـشاكل..¡

الفـسـاد عـائـق أمام الإصـلاح والنـهـض.

فـي إدارة الدولة، لا تُقاس كفاءة المسؤول بكثرة القرارات التي يصدرها، وإنما بقدرته على إصدار القرار الصحيح في الوقت الصحيح، مستندًا إلى القانون، ومحكومًا باللوائح، ومدركًا أن المنصب العام ليس مساحةً للاجتهاد المنفلت، ولا مجالًا لتجريب المزاج الشخصي على مؤسسات الدولة وحقوق الناس.

المسـؤول الذي لا يقرأ القانون قبل أن يوقِّع، ولا يراجع اللائحة قبل أن يقرِّر، ولا يُقدِّر تبعات ما يصدر عنه، لا يصنع حلولًا بقدر ما يصنع مشكلاتٍ مؤجَّلة.

وقـد يبدو الـقرار في لحظته نافذًا بحكم السلطة، لكنه قد يتحول لاحقًا إلى عبءٍ على المؤسسة، وإحـراجٍ على الحـكومة، ومسؤوليةٍ شخصيةٍ على من اتخذه.

فـ الـدولة لا تُدار بالنوايا، ولا تُحمى بحسن التبرير بعد وقوع الخـطأ؛ وإنما تُدار بقواعد واضحة، واختصاصات محدَّدة، ومسؤولية لا تسمح للمسؤول بأن ينسب الصواب إلى نفسه، ثم يبحث عن شماعة يحمِّل عليها الخطأ عندما تتضح آثاره.

وهـنا تكـمن القاعـدة الذهبـية للإدارة الرشـيدة: أن يسأل المسؤول نفسه قبل إصدار أي قـرار—ليس استئناسًا بالرأي، بل واجبًا قانـونيًّا—هـل يملك الاختصاص؟ هـل يجيز القانون ما يفعله؟ هـل تتفق الإجراءات مع اللوائح؟ وما الآثار التي يمكن أن تترتب على هذا القرار؟

فـ إذا غـابت هذه الأسئلة عن لحظة التوقيع، حضر الارتجـال؛ وإذا حضر الارتجال في إدارة الشأن العام، أصبحت مؤسسات الدولة تدفع ثمنًا لا علاقة لها بصناعة أسبابه، والمسؤول نفسه يجد نفسه في مواجهة تبعات لم يحسب لها حسابًا.

والأخـطر من المسـؤول الذي يخـطئ، هـو المسـؤول الذي يُكابـر بعد الخـطأ؛ لأن الخطأ الإداري قد يُصحَّح، أما الإصرار عليه فيُحوِّله إلى أزمـة، والدفاع غير القانوني عنه يُوسِّع نطاقها، ومحاولة تحميل الآخرين مسؤولية قرار صدر بتوقيعه لا تُعفيه من تبعاته. ولو أنه وقف عند تلك الأسئلة الأربعة قبل التوقيع، لما احتاج بعد ذلك إلى تبرير أو دفاع.

إن احـترام القانـون ليس قيدًا على المسؤول، بل هو الحصانة التي تحميه وتحمي المؤسسة التي يقودها؛ وكلما اتسعت سلطة المسؤول، اتسعت معها مسؤوليته، وصار واجبه في التثبُّت والمراجعة والتقيُّد بالنظم أشدَّ، لا أخفَّ.

فـ هـذه الأسـئلة ليست رفاهيةً فكريةً، بل هـي أداة الحماية الأولى قبل أن تتحول السلطة إلى عـبء.

وليـس من الحكـمة أن تُدار مؤسسات الدولة بمنطق: "نُقرِّر أولًا ثم نبحث عن السند لاحقًا". فـ هـذه ليـست إدارة، وإنما صناعة متواصلة للمخاطر.

كـما أن الاستعانة بالتبريرات الفنية أو الإجرائية بعد صدور قرار معيب، لا ينبغي أن تتحول إلى مخرج للهروب من المسؤولية؛ فالمسؤولية تبدأ من لحظة اتخاذ القرار - وتحديدًا من لحظة سؤال النفس عن الاختصاص، والمشروعية، والإجراءات، والآثار- وتظل قائمةً على من اتخذه ما بقيت آثاره.

الـدولة في هذه المرحلة لا تحتمل مسؤولًا يخلق مشكلة، ثم ينشغل بإثبات أنه لم يكن سببًا فيها؛ هـي بحاجة إلى مسـؤول يعرف حدود اختصاصه، ويَزِن قراره قبل توقيعه، ويملك شجاعة التراجع حين يكتشف خطأه، دون أن يبحث عن خصم سياسي، أو موظف، أو جهة فنية ليُحمِّلها ما لا تحتمل.

فـ ليـس كل ما يستطيع المسؤول فعله يحق له فعله، وليس كل قرار يمر إداريًّا يكون صحيحًا قانونيًّا.

والأسـئلة الأربـعة ليست مجـرد اسـترشـاد، إنها معيار الفصل بين القرار الرشيد والقرار المغامر، وبين المسؤول الحريص على مؤسسته والمسؤول الذي يرهنها لمزاجه.

ومـن أراد أن يحفظ موقعه، ويحفظ معه هيبة الدولة، فليتذكر أن التوقيع على القرار ليس مجرد إجراء؛ إنه شهادةٌ على مسؤولية صاحبه عنه، وأن الإجـابة عن تلك الأسئلة قبل التوقيع هي أقل ما يقدمه المسؤول لوطنه ومؤسسته.

لـذلك، لا تـكن سبـبًا في خـلق المـشاكل؛ فالدولة أكبر من أن تتحول أخطاء المسؤولين فيها إلى أزمات، والقانون أكبر من أن يُستدعى بعد وقوع الخطأ لتجميل قرار كان ينبغي ألا يصدر من الأساس.

ولتـكن أسئلتك الأربعة قبل كل توقيع هي بوصلتك؛ فإن أرشدتك إلى الصواب، فأنت المسؤول الذي نحـتاج؛ وإن ترددت فيها، فاعـلم أن القرار مـؤجَّل الخـطر، وأن الأفضل أن تعيد النـظر قبل أن توقِّـع.

.