تسلسل الحوثي في استهداف المخا قد يمتد في القريب إلى ما هو أعمق من الوصول إلى المخا أو باب المندب فقط، إذ يمكن النظر إلى ما يحدث باعتباره معركة عزل واستنزاف وتجريد لقوات الساحل من مواردها، وصولًا إلى جعلها عاجزة عن الاستمرار في الحرب، بدلًا من أن يكون الهدف المباشر هو احتلال المخا.
● قصف الميناء فأصبح خارج الخدمة، والمخا، وبذلك لم تعد مركزًا اقتصاديًا قد ينافس الحديدة، وهنا تم عزلها وفقدت نقطة اتصالها الخارجية، وتوقفت التجارة الخارجية، وبالأهم توقف أعمال بيع المواد الخام و(انقطعت الإيرادات).
● نقل المعركة على الأرض إلى الحزام الجغرافي الذي يربط الساحل بالداخل، إذ إن تقطيع الطريق داخليًا لا يقطع فقط خطوط إمداد المخا ويعزلها عن الداخل، وإنما أيضًا يعرقل دخول وتجارة المشتقات النفطية، وهذا الأهم، إذ إن هاتين التجارتين هما أهم مصادر إيرادات قوات الساحل.
في حين أن الإمارات لم تعد موجودة في اليمن وانقطع ما كانت تقدمه من دعم في الساحل، كما أن السعودية منشغلة بأمور دولية، والدعم السعودي لأي معركة سيظل محدودًا، فيما أن الشرعية غير قادرة على تغطية كل العجز.
كل ما سبق قد يوصل قوات الساحل لتكون عاجزة ماليًا، ومشلولة عسكريًا، وتعطيل المخا يكفي، وليس بالضرورة محاولة احتلالها فورًا.
فالمعركة ليست فقط على السيطرة على الأرض، وإنما أيضًا ضد قدرة القوات الموجودة على الأرض على تمويل استمرارها.
التجزئة والعزل
حين يتحول من الهدف الأوسع له في السيطرة على المخا، إلى جعلها أقل قيمة كقاعدة إمداد وحركة، فقد يستغني عن إسقاط المخا مباشرة، إذا استطاع جعلها معزولة أو مكلفة عسكريًا ولوجستيًا.
الخطر
لن يقتصر الأثر سلبًا على المخا أو الساحل الغربي فقط، فإذا استمرت المعارك غرب تعز لفترة، فقد يحدث شيء مهم سياسيًا وعسكريًا:
"تبدأ الشرعية في إعادة ترتيب أولوياتها حول تعز والمخا"، ثم تُستدرج قوات العمالقة ودرع الوطن والمقاومة الوطنية والقوى الأخرى إلى الساحل، وتُنقل إليها الإمدادات والدعم، وتصبح الأولوية العسكرية هي منع سقوط المخا أو فك عزلتها.
بذلك ينتقل مركز الثقل العسكري للشرعية تدريجيًا إلى غرب تعز.
وقد تضطر الشرعية إلى إبقاء قوات كبيرة هناك، ليس لأنها تخطط بالضرورة لهجوم واسع، وإنما لأنها لا تستطيع تحمل خسارة الجبهة، وهو ما يؤخر أي عمليات هجومية في جبهات أخرى قريبة من صنعاء.
وبذلك "يصبح الحوثي قادرًا على تحديد أين يجب أن يكون الخصم وأين لا يستطيع أن يكون".
للأخطر
ماذا لو تأجل الهدف الأساسي، وانتقل إلى هدف ثانوي؟
ماذا لو ترك الحوثي هذه الجبهة معلقة، بمناوشات وضغط مستمر، بحيث لا تستطيع الشرعية سحب قواتها منها، ثم نقل جهده الرئيسي إلى جبهة أخرى؟
هنا يصبح السيناريو أكثر تعقيدًا!!
وقد تكون مأرب إحدى الجبهات على رأس الاحتمالات، وليس بالضرورة أن يكون هذا مبنيًا على معلومات مؤكدة، وإنما باعتبارها جبهة ذات قيمة استراتيجية وموارد وقدرة على التأثير في توازن القوى.
فالقاعدة المنطقية هي:
لن يكون من المنطقي خوض معركة كبيرة إذا لم تنتج عنها مكاسب استراتيجية أو موارد أو إنهاك حقيقي للخصم. ثم إذا نجح الحوثي أولًا في إشغال قوات الساحل وجزء من العمالقة ودرع الوطن، وإبقائها مرتبطة بجبهة المخا وتعز، فقد يصبح الانتقال إلى استنزاف مكونات أخرى في الشرعية أكثر قابلية للتنفيذ.
وهنا تأتي مأرب، ليس فقط لأنها مأرب، وإنما لأنها تمثل أيضًا اختبارًا لقوة مكوّن آخر داخل معسكر الشرعية، وعلى رأسه الإصلاح.
الرعب الحقيقي
أن يقع الإصلاح في الفخ دون أن يقصد، فالخطاب الإصلاحي تجاه قوات الساحل معروف، وأي تراجع أو فشل يصيب هذه القوات قد يُنظر إليه داخل بعض الأوساط باعتباره مكسبًا سياسيًا.
لكن المشكلة أن هزيمة قوة منافسة اليوم قد تعني عزل القوة التي ستحتاج إليها غدًا.
وإذا اندفعت المكونات السياسية والعسكرية في التعامل مع المعركة بمنطق: «هذه معركتهم وليست معركتنا»، أو أن هدف الحوثي باب المندب فقط، فقد يجد كل طرف نفسه لاحقًا أمام معركة منفردة.
هكذا لن تُهزم الشرعية في معركة واحدة كبرى، وإنما يمكن أن تُهزم جزءًا بعد جزء، ومكوّنًا بعد مكوّن.
وهذا يطلق عليه مفهوم: Defeat in Detail، أي هزيمة الخصم بالتجزئة: عزل كل جزء، واستنزافه، ثم التعامل معه منفردًا قبل الانتقال إلى الجزء التالي.
السؤال الأهم اليوم ليس: هل يستطيع الحوثي إسقاط المخا؟
وإنما: هل يستطيع جعل قوات الشرعية تدافع عن كل جبهة منفردة؟ حتى تصبح الشرعية نفسها مجموعة جبهات منفصلة بدلًا من أن تكون قوة واحدة؟





