الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026 | الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الأخبار المحلية

القنديل والزنبيل: من مفردتين شعبيتين إلى ترميز للطبقية والسلالة والحرب

الحوثيون يشيعون 6 ضباط بعد مقتلهم في معارك مع قوات الحكومة المعترف بها دولياً

حميد عقبي ● اليمني الجديد

في الاستعمال الشعبي، القنديل أداة تمنح الضوء، أما الزنبيل فهو وعاء مصنوع من سعف النخيل، يُستخدم لحمل التراب والمحاصيل والأشياء الثقيلة وكذلك يطلق على الكيس البلاستيكي زنبيل.

لكن الحرب اليمنية انتزعت المفردتين من حياتهما اليومية، وحولتهما إلى تصنيف سياسي واجتماعي؛ فصار «القنديل» يشير إلى القيادي الهاشمي المنتمي إلى الطبقة السلالية النافذة داخل جماعة الحوثيين، ويطلق «الزنبيل» على المقاتل أو المناصر غير الهاشمي الذي يقدم جهده وماله وأبناءه، لكنه يظل بعيدًا عن مراكز القرار والامتياز.

ظهر هذا الاستخدام علنًا قبل سيطرة الحوثيين على صنعاء وهناك جذور له منذ حروب الحوثيين مع علي عبدالله صالح، ولكن اتسع تداوله أكثر مع الحرب، خصوصًا في الحديث عن توزيع المناصب والرتب والمساعدات، والتمييز بين القتلى في التشييع واستعادة الجثامين ورعاية أسرهم.

غير أن أغلب الروايات المتداولة تأتي من خصوم الجماعة أو من منشقين عنها؛ لذلك يصعب اعتبار المصطلحين تسمية رسمية معلنة، لكن شيوعهما يكشف شعورًا واسعًا بوجود تراتبية داخل السلطة الحوثية.

لم يبق المصطلحان محصورين في وصف الحوثيين. فقد ظهرت تعبيرات مثل «قناديل الشرعية» لوصف أصحاب النفوذ والقرابة الذين يحصلون على المناصب، مقابل الجنود والناشطين الذين يُستعملون ثم يُهمَلون. وهكذا أصبح القنديل رمزًا لصاحب الامتياز، والزنبيل صورة للتابع المستهلك والمهمش.

وهنا سنلمس مفارقة مهمة، فاللغة التي تزعم فضح التمييز قد تنتج تمييزًا جديدًا. فتعميم وصف «القناديل» على الهاشميين يحول نقد مشروع سياسي إلى إدانة جماعية على أساس النسب، كما أن وصف الأتباع بـ«الزنابيل» يحتقر ضحايا الاستغلال بدل فهم دوافعهم ومسؤولياتهم.
أي أن المفردتين اختصرت بنية السلطة والحرب، لكنهما حولتا الإنسان أيضًا إلى سلالة أو أداة.

لذلك لا يكفي ترديدهما ساخرين؛ الأكثر أهمية أن يتم تفكيك النظام الذي يوزع اليمنيين بين السيد مالك القرار، والمهمش الذي يُطلب الدفاع عن هذه السلطة أو تلك. فالحرب خلقت قاموسها الخاص وجعلت الإهانات مألوفة ومتداولة كأنها حقيقة اجتماعية.

تكشف عودة مصطلحي «القنديل» و«الزنبيل» إلى واجهة النقاش اشتعال تراشق جديد بين مثقفين وكتّاب يمنيين على وسائل التواصل الاجتماعي. لم يعد الخلاف بحثًا في دلالة المصطلحين أو في البنية الاجتماعية التي أنتجتهما، لكنه تحول أحيانًا إلى تبادل الاتهامات واستعادة المواقف القديمة وفرز الأشخاص وفق مواقعهم خلال سنوات الحرب.

ويبدو أن بعض المشاركين، مع تغير موازين الصراع واحتمالات المرحلة المقبلة، يريد إثبات أنه كان منذ البداية مع «الشرعية»، أو أنه لم يمنح الحوثيين أي غطاء سياسي أو ثقافي، حتى عندما تكشف منشوراته ومواقفه السابقة صورةملتبسة.

ليست المشكلة في مراجعة الموقف؛ فالمراجعة حق وضرورة، وإنما في أن بعض الشخصيات تريد إعادة كتابة السيرة الشخصية وحذف التحولات منها، ثم مهاجمة الآخرين لتعويض الصمت أو التردد أو الارتهان للمواقف السابقة. وهنا يظهر بوضوح بأن الخطاب الثقافي اليمني ممزقًا بين سلطات الحرب ومصالح الأفراد، وقابلًا للتلون كلما تغير مركز القوة أو مصدر المنفعة.

مداخلة نقدية عن المفردتين

لقد أضعفت الحرب استقلال المثقف،وأصبح يتحول إلى تابع يبدل لغته وخصومه مع تبدل الظروف. وفي ظل في هذا الواقع اليمني نجد غياب تام لأيي مشروع وطني قادر على تجاوز السلالة والحزب والمنطقة والتراتبية، وإعادة الاعتبار للمواطنة والعدالة والذاكرة الصادقة.

يحتاج اليمن إلى مثقف يعترف بموقفه وتحولاته وأخطائه، وليس إلى قنديل جديد يبحث عن سلطة، ولا إلى زنبيل يبحثث عن امتياز مؤقت. فالمصداقية كما نعلم جميعًا تُبنى بالشجاعة في النقد والمراجعة ومن المهم جدًا أن نبدأ التفكير في أن نتحمل المسؤولية أمام المجتمع والتاريخ