حتى قبل حرب المخاء الأخيرة كنت أعتبر طارق صالح هو صاحب اليد العليا في المشهد اليمني سياسيا، وعسكريا، وموقفا من الحوثي.. وكان مثلي طيف واسع من اليمنيين، من محبيه أو حتى من معارضيه.
أظهر طارق حرصا على أن يعمل من المخاء نموذجا لكيف تكون الدولة، فيها المشفى والمطار والمدن السكنية والطرقات وصارت نموذجا يستحق أن يزهو به، وتغاضى الناس عن مصدر التمويل قائلين "المهم أنه يعمل.. غيره تلقى مثله وأكلها".
خاض جنوده قتالا شرسا وضحى العشرات بأنفسهم في وجه الأنساق الإرهابية الحوثية، وفي وجه الصواريخ الإيرانية المتطورة التي دكت مواقع عدة في المخاء.
وبعد نداءات قررت القيادة دعمه بألوية من العمالقة ودرع الوطن، وهي قوات لاتقل تأهيلا عن قوات طارق.
تمسكت القوات بحيس وظلت تحميها.. وكانت المؤشرات توحي بأن شيئا إيجابيا يحدث.
بشكل غامض صحى الناس على اختفاء قوات طارق وبقية القوات.
فوجئ الحوثيون أنفسهم مما حدث، وحتى موظفي طارق نفسه صحوا على صدمة بأنه لا يوجد وسيلة لتهريبهم من المدينة التي أصبح الحوثيون في مداخلها، وحديث علي الضبيبي -الذي أنقذه محافظ الجوف- يكشف حجم المأساة، ومثله الصحفي يحي السواري الذي لولا قد أمرأة كريمة أعطته سيارتها لكان اليوم في خبر آخر.
غيرهما المئات وربما الآلاف من الجنود والموظفين وقعوا بين يدي الحوثي.
يعود بنا المشهد إلى نوفمبر 2021، كان طارق يرأس ألوية المقاومة، وحراس الجمهورية.. وكانت ألوية العمالقة بقيادة أبوزرعة المحرمي مصاحبة لقواته، ويأتمرون مباشرة بأوامر الإمارات.
حينها حصلت أكبر نكبة عسكرية في الساحل الغربي لليمن خلال سنوات الحرب.
انسحبت هذه القوات والمقدرة ب 15 ألف جندي من أبواب مدينة الحديدة.. من الدريهمي والتحيتا وبيت الفقيه إلى الخوخة.. انسحبت 100 كيلو إلى الوراء.
كان الحوثيون انفسهم غير مصدقين مايحدث، وعرفت هذه الواقعة ب (إعادة التموضع) والتي أصبحت أكثر مفردة عسكرية يتم السخرية منها.
اليوم.. يعود طارق صالح إلى الرياض بعد النكبة الثانية للساحل الغربي.
غضب كثيرون من طرحي فكرة التحقيق مع طارق، وهو مطلب يفترض أن يكون اعتياديا لأي مواطن رأى المئات من جنود شعبه، وعتاد بمئات الملايين من الدولارات يترك هكذا في العراء بلا أي مبرر مقنع.
حين طرحت أنا مطلب التحقيق، قلت إذا أرادوا إعادة طارق للمشهد فالتحقيق قبل كل شيء.. وإلا فيكفي ماحدث ويجب أن يستريح وله خالص التقدير على جهوده.. وهذا رأي طيف واسع من الناس، وليس غلا ولا فجور في الخصومة كما قال بعض المعلقين.
أما أولئك الذين تحدثوا عن المطالبة بالتحقيق حول سقوط نهم وغيرها وحتى حروب صعدة، ودخول صنعاء ووو.. ذلك مطلب شرعي أيضا.. وقد طالب الكثيرين في كل واقعة بما طالبت به اليوم.. ولكن هل ذلك يعني أن نترك ماحدث يمر بهدوء، فقط بحجة أنه حدثت مثل هذه سابقا.
من غير المنطقي السكوت، لا على هذه ولا على غيرها، ولكن في الوقت نفسه من غير الواقعي أن نكرر التجارب وكأن شيئا لم يكن.
نعرف جميعا أن مبادئ طارق صالح جمهورية حتى النخاع، وعداءه للحوثي لا أحد يشك به.. لكن صدمتنا أكبر من أن نجد مبررا لما حدث.





