الأحد، 13 سبتمبر 2026 | الموافق ٣٠ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

من باب المندب إلى باب اليمن..

ما يجري في اليمن ليس معركة عابرة

لم تسقط المخا وحدها. سقطت معها سردية كانت تقول إن تعدد القوات يعوّض غياب القيادة الواحدة، وإن كل تشكيل قادر على حماية جبهته من دون أن يعرف ما يجري في الجبهة المجاورة.

لذلك، فإن سؤال «من انسحب أولاً؟» مهم للتحقيق العسكري، لكنه لا يفسّر ما حدث؛ فالجبهة لم تكن تخص طارق صالح وحده، ولا محور تعز، ولا العمالقة، ولا درع الوطن، بل منظومة أصابها خلل، لا خطأ طرف واحد.

الخطر يتجاوز المخا إلى باب المندب. إيران التي استخدمت مضيق هرمز ورقة ضغط، باتت تملك عبر الحوثيين قدرة على إنتاج ضغط مشابه في البحر الأحمر؛ الوظيفة واحدة: تحويل ممر دولي إلى أداة مساومة.

حين يعلن متحدث الحوثيين أن الملاحة آمنة للشركات باستثناء السفن السعودية، فإنه لا يمنح ضماناً، بل يطالب العالم بالتسليم بحق جماعته في تحديد من يعبر ومن يُمنع، أي منح جماعة مسلحة خارج مؤسسات الدولة موقع «المقرِّر» عند أحد أهم الاختناقات البحرية في العالم.

صلة الحوثيين بإيران لا تحتاج إلى مبالغة؛ فالأدلة على السلاح والتقنية والتدريب والتهريب معروفة. لكن الدقة تقتضي ألا يُقال إن كل قرار حوثي يصدر من طهران؛ ما يمكن إثباته كافٍ: الحوثيون جزء من شبكة إقليمية مكّنتهم من تشغيل أسلحة وتوظيف الجغرافيا اليمنية في معارك تخدم إيران.

المعركة يمنية، لكنها تصبح إيرانية في وظيفتها كلما استُخدم اليمن لمهاجمة خصوم طهران أو تهديد الملاحة الدولية، فيما يدفع اليمنيون والسعوديون وشركات الشحن ثمن اضطراب البحر الأحمر في كلفة النقل والتأمين وأسعار السلع.

قبل سقوطها، كانت المخا تقدّم صورة أخرى للساحل؛ ميناء يجري تطويره، ومطار وطرق وطاقة وخدمات، ومشروعات سعودية وإماراتية شاركت فيها الحكومة والسلطة المحلية والمقاومة الوطنية.

لم تكن مجرد منشآت، بل دليلاً على أن الأمن يصنع تنمية، وأن الميناء يمكن أن يكون باباً للتجارة لا منصة للصواريخ. هذا نجاح يُحسب لطارق صالح وقواته وشركائه، ولا يصح إنكاره بسبب الخصومة؛ فقد أسهم في بناء قوة وإحياء مدينة وحماية جزء من الساحل المؤدي إلى باب المندب.

مع ذلك، تحولت المخا من قاعدة للمشاركة في استعادة الدولة إلى موقع دفاع عن مدينة وميناء ومشروعات، وانصرف جزء من جهد قيادتها إلى حماية ما تحقق بدلاً من توسيع المعركة.

تعدد التشكيلات ومراكز القرار، والحساسيات في تعز وتهامة والجنوب، فرض على القيادات إدارة توازنات سياسية معقدة؛ بعضها يتعلق بالتمثيل والحقوق، وبعضها نتاج التنافس على النفوذ. والنتيجة أن جهداً كبيراً أُنفق في ضبط العلاقة بين الحلفاء، بينما كان الحوثيون يحشدون قواتهم ويختارون توقيت الهجوم.

روايات الانسحاب المتبادلة لا تُحسم في الإعلام. المعطيات تشير إلى أن الاختلال بدأ في قطاعات غرب تعز والكدحة، ثم امتد نحو الوازعية وموزع ومعسكر خالد قبل أن يصل إلى المخا، لكن ذلك لا يكفي للجزم بترتيب انسحاب كل تشكيل ولا بتحديد الجهة التي أصدرت كل أمر.

المقاومة الوطنية ليست مسؤولة وحدها عن انهيار جبهة متعددة القوات، لكنها مسؤولة عن قطاعها وتقدير الخطر وتأمين الاحتياط، وينطبق المعيار نفسه على بقية التشكيلات؛ فلا المسؤولية الجماعية تعفي القادة، ولا المسؤولية المباشرة تسمح باختزال النكسة في اسم واحد.

التحقيق المطلوب مهني لا انتقامي؛ عليه أن يجيب عن أسئلة محددة: هل أخطأت الاستخبارات في تقدير اتجاه الهجوم؟ هل كانت القوات موزعة بصورة خاطئة؟ هل تأخر الإسناد أو تعطلت الاتصالات أو صدرت أوامر متعارضة؟

ولماذا لم يكن الاحتياط قادراً على إغلاق الثغرة الأولى؟

الاعتراف بالإخفاق العسكري ليس الخطأ؛ الخطأ أن يتكرر لأن كل طرف منشغل بإثبات براءته بدلاً من إصلاح الخلل.

في هذا السياق يمكن قراءة وصول طارق صالح إلى الرياض؛ فقد جاء بعد انتقاله إلى موقع آمن داخل اليمن، حيث أعاد ترتيب قواته ومراكز قيادتها. زيارته ليست شهادة براءة ولا دليلاً على الهروب؛ فقيمتها فيما ستنتجه من مراجعة وخطة للمرحلة المقبلة، ومن مصلحته أن يعود ضمن ترتيب جماعي لا خطة تخص قواته وحدها.

مصالح اليمن والسعودية تتقاطع عند نقطة واحدة: دولة قادرة، وقوات تعمل ضمن مؤسساتها، وقيادة شرعية تحتكر قراري الحرب والسلام. تعدد مراكز القرار لا يحمي الحدود، ولا يؤمّن باب المندب، ولا يساعد اليمنيين على استعادة دولتهم.

حماية المضيق لا يمكن أن تُترك للأساطيل وحدها؛ فالسفن الحربية تعترض مسيّرة، لكنها لا تبني دولة ولا تنهي انقلاباً.

الخيار ليس بين باب المندب وباب اليمن؛ المطلوب قوة بحرية وساحلية يمنية تحمي الموانئ والجزر، وقوات برية موحّدة تضغط على مراكز قوة الحوثيين، مع بقاء الحل السياسي هدفاً من موقع دولة متماسكة لا جبهات متداعية.

فلا أحد من مكوّنات الشرعية يستطيع تحرير اليمن وحده، لكن الحوثيين يستطيعون هزيمة الجميع ما دام كل طرف يقاتل وحده.