قال رئيس مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، ماجد المذحجي، إن جماعة الحوثيين أحدثت «صدمة حقيقية» خلال هجومها الأخير، مشيراً إلى أن مستوى استعدادها العملياتي كان مرتفعاً، وأن الحملة سبقتها تحضيرات واسعة لم تكن سرية، وكانت تحركات الأسلحة والمقاتلين نحو الساحل الغربي مرئية للحكومة اليمنية والسعودية والأطراف الغربية.
وأضاف المذحجي، في مقابلة مع مجلة «L’Express» الفرنسية، أن الحوثيين شنوا هجوماً مكثفاً مدعوماً بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على نحو غير مسبوق، ما أحدث ارتباكاً كبيراً أعقبه انهيار سريع، بالتزامن مع استهداف قادة واختراقات استخباراتية وإدارة فعالة للاتصالات.
وأوضح أن الحوثيين استغلوا الانقسامات والثغرات السياسية والأمنية، إلى جانب الاختراقات الاستخباراتية وتردد الرياض في التدخل بصورة حاسمة، للوصول إلى هذا التحول السريع في الميدان.
وأشار إلى أن الحوثيين راقبوا رد فعل الرياض عن كثب، ومارسوا ضغطاً محسوباً لردع السعودية عن توسيع انخراطها، معتبراً أن ترددها في التدخل بصورة حاسمة أدى دوراً مهماً في التطورات الأخيرة.
وقال المذحجي إنه لا يزال من الصعب تقييم حجم المكسب العسكري الذي حققه الحوثيون بدقة، لكنه رجح أن يعملوا خلال الأسابيع المقبلة على تثبيت مكاسبهم، ثم زيادة الضغط على جبهات أخرى لتشتيت خصومهم وإبعاد المعارك عن باب المندب.
وتوقع أن يتجه الحوثيون للضغط على الخطوط الدفاعية في تعز ولحج ومحيط عدن، وبصورة خاصة في مأرب والجوف، بهدف الحفاظ على مكاسبهم الاستراتيجية على الساحل وإجبار خصومهم على تركيز جهودهم في الدفاع عن مواقع أخرى.
وأكد المذحجي أن الحوثيين يستطيعون الاحتفاظ بمواقعهم في غياب رد فعل مؤثر، مشيراً إلى أن الاستجابة السياسية والعسكرية حتى الآن كانت ضعيفة، واقتصرت أساساً على تصريحات وتهديدات وبعض الضربات الجوية.
ورأى أن تبادل إطلاق النار لا يكفي لاستعادة الأراضي، ما لم يتبعه ضغط عسكري كبير وتنفيذ عملية برية حقيقية، محذراً من أن الحوثيين سيتمكنون، في هذه الحالة، من تحويل مكاسبهم في الجزء الجنوبي من الساحل الغربي وصولاً إلى باب المندب إلى واقع دائم.
وقال إن «كل يوم يمر يمنحهم مزيداً من الوقت لتثبيت مواقعهم وتنظيم دفاعاتهم»، مضيفاً أنهم يمارسون حالياً شكلاً من أشكال «السيطرة الوظيفية» على باب المندب، بما يمنحهم القدرة على التأثير في حركة العبور وفرض مخاطر وشروط عليها.
وحول حركة الملاحة، كشف المذحجي عن وجود تقارير بشأن مدفوعات قدمتها بعض السفن أو جهات مرتبطة بالنقل البحري، مرجحاً ارتفاع احتمالات تعميم هذه الممارسة.
وقال إن المسألة «تتجاوز الإيرادات وحدها»، معتبراً أن الحوثيين يتحركون ضمن رؤية استراتيجية إيرانية تسعى إلى تغيير قواعد العبور البحري وجعله مشروطاً بموافقتهم، بما يحول القدرة على تهديد ممر ملاحي دولي إلى سلطة فعلية عليه.
وحذر من سيناريو يصبح فيه تعطيل باب المندب أقل تكلفة وأكثر قابلية للاستمرار بالنسبة للحوثيين والمحور الإيراني، لكنه أوضح ضرورة التمييز بين القدرة على إغلاق الممر وإغلاقه فعلياً وبالكامل.
وأشار إلى أن الأثر الاقتصادي قد يظهر قبل الإغلاق التام، بمجرد أن يصبح التهديد جدياً ومستداماً، لافتاً إلى أن المخاطر قد تؤثر على أقساط التأمين وأسعار الشحن وقرارات شركات الملاحة بشأن العبور أو تحويل مسارات السفن.
وأضاف أن ذلك، بالنسبة إلى النفط، قد يترجم إلى ضغوط على تكاليف النقل والإمدادات والأسعار، فيما سيؤدي بالنسبة إلى نقل الحاويات إلى رحلات أطول، خصوصاً عبر رأس الرجاء الصالح، وتأخر التسليم وارتفاع تكاليف السلع.
ورجح المذحجي أن يدفع استمرار الاضطراب، على المدى المتوسط، الشركات إلى إعادة تنظيم مساراتها وسلاسل إمدادها بصورة دائمة، مشيراً إلى أن التهديدات المتزامنة في مضيقي هرمز وباب المندب تقلص البدائل وتفاقم الضغوط على التجارة، مع تداعيات تمتد إلى قناة السويس.
وقال إن المرحلة المقبلة ستكون «أكثر تعقيداً»، مضيفاً أن الحوثيين والمحور الإيراني يرون في ضعف الاستجابة الغربية والخليجية فرصة لتكثيف الضغط على مواطن الضعف الاقتصادي.
وأشار إلى أن اتساع علاقات الحوثيين وشبكات نفوذهم في أفريقيا قد يؤدي إلى امتداد المخاطر إلى موانئ ومسارات ساحلية بديلة، وبالتالي تجاوز التهديد للمضيق نفسه.
واعتبر المذحجي أن اختزال ما حدث في «هزيمة سعودية» يقلل من حجم التطورات، قائلاً إن ما يجري يعكس إخفاقاً أوسع للولايات المتحدة والغرب ودول الخليج في فهم مصالحها والتحرك للدفاع عنها، إلى جانب أخطاء في التقدير وتنافس بين دول الخليج أتاح للحوثيين فرصاً إضافية.
وحمل الرياض مسؤولية كبيرة، قائلاً إنها واصلت اتباع سياسة المهادنة تجاه الحوثيين بينما كانوا يطورون قدراتهم العسكرية، ولم تتعامل بالجدية الكافية مع إشارات الإنذار، سياسياً وأمنياً.
وحذر من أن سقوط مدينة المخا وجزيرة ميون قد يتحول إلى قضية في السياسة الداخلية الأميركية إذا انعكست تداعياته على أسعار النفط وتكاليف النقل البحري، وبالتالي على نفقات الأسر الأميركية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وقال إن ما يحدث في باب المندب بالنسبة إلى واشنطن «ليس مجرد قضية بعيدة في السياسة الخارجية»، بل قد يدخل في النقاش الداخلي الأميركي حول الأسعار وتكاليف المعيشة.





