الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 | الموافق ٢ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

لماذا أقول إن السعودية في مأزق في اليمن؟

لماذا أقول إن السعودية في مأزق في اليمن؟

بعد مقالتي السابقة، "السعودية ومأزق اليمن: لماذا لا تعوّض التحالفات الجديدة غياب الإمارات؟"، سألني بعض القراء: لماذا أصف وضع السعودية في اليمن بأنه "مأزق"؟ أليست المملكة القوة الإقليمية الأكبر، وصاحبة الموارد والتحالفات والقدرات العسكرية التي تفوق بكثير ما يملكه الحوثيون؟

السؤال مشروع. لكنه يفترض ضمنا أن المأزق يعني الضعف أو الهزيمة.

وهذا ليس ما أقصده.

المأزق الاستراتيجي لا يحدث عندما تفتقر الدولة إلى القوة، بل عندما تصبح الخيارات المتاحة أمامها كلها مكلفة، ولا يستطيع أي منها تحقيق مصالحها الأساسية مجتمعة.

السعودية لا تستطيع القبول بهيمنة الحوثيين على اليمن، لكنها لا تريد العودة إلى حرب واسعة معهم. لا تستطيع الانسحاب من اليمن، لكنها لا تريد أن تتحمل إلى ما لا نهاية مسؤولية إدارة توازناته وتمويلها. تحتاج إلى تسوية مع الحوثيين، لكنها لا تستطيع القبول بتسوية تجعلهم أكثر رسوخا وقوة. وتحتاج إلى معسكر مناهض لهم، بينما هذا المعسكر نفسه يعاني الانقسام وتعدد مراكز القرار.

المشكلة، إذا، ليست في نقص القوة السعودية، بل في كيفية تحويل هذه القوة إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار.

وهنا يبدأ المأزق.

أول عناصره أن السعودية تستطيع أن تخرج من الحرب، لكنها لا تستطيع أن تخرج من اليمن.

هذه ليست لعبة لغوية، بل حقيقة جغرافية واستراتيجية. تستطيع قوى خارجية خفض وجودها في اليمن إذا أصبحت كلفة الانخراط مرتفعة. السعودية لا تملك هذا الترف. حدودها الجنوبية ستظل مع اليمن، وبالتالي فإن طبيعة السلطة التي تحكم صنعاء، واستقرار الدولة، وانتشار الجماعات المسلحة، وأمن الموانئ والسواحل، ستظل جزءا من الأمن القومي السعودي.

إذا تركت الرياض ميزان القوة الداخلي يتطور من دون تدخل فعال، فقد تجد الحوثيين أكثر قدرة على فرض إرادتهم على خصومهم. وإذا تدخلت أكثر لمنع ذلك، فإنها تعود إلى تحمل الأعباء التي سعت طوال السنوات الماضية إلى تخفيضها.

السعودية، بعبارة أخرى، ليست أمام خيار التدخل أو عدم التدخل، بل أمام اختيار نوع التدخل وكلفته.

العنصر الثاني يتعلق بالحوثيين أنفسهم.

الحوثي لا يحتاج إلى هزيمة السعودية عسكريا لكي ينجح. يكفيه أن يحتفظ بقدرة مستدامة على إيذائها ورفع كلفة مواجهته. صاروخ أو طائرة مسيّرة أو تهديد للملاحة أو لمنشأة حيوية يمكن أن ينتج أثرا سياسيا واقتصاديا أكبر بكثير من كلفته بالنسبة إلى الحوثيين. أما السعودية فلا يكفيها اعتراض الصاروخ أو تدمير منصة إطلاق. هي تحتاج إلى حدود آمنة، ويمن أكثر استقرارا، وممرات بحرية محمية، وبيئة إقليمية تسمح لها بالتركيز على مشاريعها الاقتصادية.

بمعنى آخر، الحوثي يستطيع تحقيق مكاسب عبر التعطيل، بينما السعودية لا تستطيع النجاح إلا عبر الاستقرار.

أما العودة إلى الحرب الواسعة، فهي ليست حلا بسيطا. السعودية قادرة بلا شك على إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بالحوثيين، لكن تجربة العقد الماضي أظهرت أن القدرة على الضرب شيء، والقدرة على إنتاج نظام سياسي مستقر بعد الضربة شيء آخر.

السؤال إذن ليس هل تستطيع السعودية إضعاف القدرات الحوثية؟ السؤال هو: ماذا يحدث بعد ذلك؟

من يسيطر على الأرض؟ من يدير المناطق؟ من يوحّد المعسكر المناهض للحوثيين؟ ومن يمنع إعادة بناء القدرات التي تم تدميرها؟ وهذا يعيدنا إلى جوهر ما طرحته في المقال السابق حول الإمارات. فالمشكلة ليست البحث عن حليف يوفر مزيدا من الصواريخ أو الدفاعات الجوية، وإنما بناء قدرة سياسية وعسكرية يمنية تستطيع تغيير ميزان القوة على الأرض والحفاظ عليه.

العنصر الثالث هو أن السلام نفسه يحمل مخاطره.

تحتاج السعودية إلى وقف دائم للتهديد القادم من اليمن. لكن إذا كان ثمن هذا الهدوء تكريس الحوثيين كقوة عسكرية مهيمنة في الشمال، تحتفظ بسلاحها وبنيتها المستقلة وقدرتها على العودة إلى التصعيد، فإن الاتفاق قد يؤجل المشكلة بدلا من أن يحلها. وهنا تكمن المفارقة: السعودية تحتاج إلى اتفاق مع الحوثيين، لكنها لا تستطيع تحمل اتفاق يبدو كأنه مكافأة لهم على استخدام القوة. لأن ذلك لا يؤثر في اليمن فقط، بل يخلق سابقة أوسع: أن الصمود العسكري والقدرة على الإكراه يمكن أن يؤديا في النهاية إلى اعتراف بالأمر الواقع.

ثم هناك المعضلة الرابعة: ماذا عن اليمن غير الخاضع للحوثيين؟

حتى لو نجحت السعودية في احتواء التهديد الحوثي، يبقى السؤال عمن سيملأ المساحة المقابلة له. فالمعسكر المناهض للحوثيين ليس كيانا واحدا. هناك الحكومة المعترف بها دوليا، والمجلس الانتقالي، وقوى مأرب وتعز وحضرموت والساحل الغربي، إلى جانب تشكيلات عسكرية وأمنية ومصالح محلية مختلفة. ومن هنا لا يكفي منع الحوثيين من التقدم. يجب بناء طرف يمني آخر قابل للحياة. لأن بناء جيش أكثر تماسكا أسهل من بناء دولة. وبناء قوة عسكرية أسهل من إنتاج شرعية سياسية. وتمويل المؤسسات أسهل من جعلها فعالة.

وهنا أيضاً تجد السعودية نفسها أمام خيارين غير مريحين: إما أن تتحمل كلفة أكبر في إعادة بناء هذا المعسكر، أو أن تقبل بضعفه.

لهذا أستخدم كلمة "مأزق".

ليس لأن السعودية عاجزة، ولا لأن الحوثيين انتصروا، ولا لأن ميزان القوة التقليدي يميل لمصلحتهم. بل لأن السعودية قوية بما يكفي لمنع كثير مما لا تريده، لكنها لم تجد حتى الآن الأداة التي تمكنها من إنتاج ما تريده. فهي لا تريد حربا جديدة، ولا تستطيع قبول ميزان القوة الحالي. تريد الخروج من الصراع، ولا تستطيع الخروج من اليمن. تريد اتفاقا مع الحوثيين، ولا تريد أن يتحول الاتفاق إلى اعتراف بانتصارهم. تحتاج إلى شركاء يمنيين أقوياء، لكن تقويتهم تتطلب المال والوقت والانخراط السياسي والعسكري الذي حاولت تقليصه. وتستطيع بناء تحالفات جديدة خارج اليمن، لكن هذه التحالفات لا تعوض غياب القدرة على التأثير في ميزان القوة داخله.

المأزق السعودي ليس أزمة قوة. إنه أزمة خيارات. وإذا كان المقال السابق قد جادل بأن التحالفات الخارجية لا تعوض القدرة المفقودة داخل المسرح اليمني، فإن المسألة الأعمق هي أن السعودية لم تعد تواجه سؤالا عسكريا بسيطا حول كيفية هزيمة الحوثيين. السؤال الذي يواجهها اليوم أصعب:

كيف تنهي حربا لا تريد العودة إليها، من دون أن تنتج نهايتها واقعا استراتيجياً أخطر من الحرب نفسها؟

طالما لم تجد الرياض إجابة مقنعة عن هذا السؤال، سيبقى وصف "المأزق" قائما، بصرف النظر عن حجم قوتها أو عدد حلفائها.

المصدر : صفحة الكاتب في منصة إكس