الجمعة، 18 سبتمبر 2026 | الموافق ٥ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

نخب الحوثي في السفارة الأميركية… بصحّة إسرائيل

ما يجري في اليمن ليس معركة عابرة

في اليمن، نعرف شعار «الموت لأميركا» عن ظهر قلب. لا لأننا هتفنا به، بل لأن الحوثي كرّره على الجدران، وفي المسيرات، وفي الأنشطة المدرسية، حتى صار الصغار يحفظون الموت قبل أن يحفظوا أسماء عواصم العالم.

الأميركي، في الخيال الحوثي، وحشٌ أسطوري لا وظيفة له إلا أن يُهتف بموته.

ثم جاءت مسقط وأفسدت الحكاية.

تقول رويترز إن مسؤولين أميركيين التقوا ممثلين للحوثيين في السفارة الأميركية بالعاصمة العُمانية. لا في خندق، ولا تحت وابل «الصرخات»، بل في سفارة. وفي المكان الذي يصفه الحوثي بأنه عنوان «الشيطان الأكبر»، جلس أصحاب «الموت لأميركا» مع موظفيه ليتبادلوا الكلام. فالسفارات، مثل السياسة، لا تسأل ضيفها عمّا كان يهتف به قبل دخوله.

وضمّ الوفد، بحسب الوكالة، محمد عبدالسلام وعبدالملك العجري. لم يذهبا ليطلبا من الأميركيين الاستعداد لجنازتهم، بل ليقولا، بحسب مصدرين، إن السفن الأميركية ليست في خطر، وإن هدنة مايو/أيار 2025 لا تزال قائمة. الشعار يطلب الموت، لكن السفن تحتاج إلى حياة آمنة، والبحر لا يحتمل البلاغة الثورية.

ولم يقف الغزل الحوثي عند أميركا. قال مصدر يمني لرويترز إن التطمين امتد إلى السفن الإسرائيلية والتجارية أيضاً. هنا ينبغي للشعار أن يعتذر من نفسه: «الموت لإسرائيل» لم يعد وعيداً، بل صار، في التطبيق البحري، رسالة مقتضبة: لا تخافي، الطريق آمن.

وحدها السعودية بقيت خارج هذه التطمينات. فبحسب الرواية نفسها، استُثنيت سفن المملكة من تعهّد عدم الاستهداف، بينما شملت الرسالة السفن الأميركية والإسرائيلية والتجارية. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: الشعار الذي يوزّع الموت على أميركا وإسرائيل خصّ سفنهما بالأمان، وجعل السعودية الاستثناء الوحيد.

وقال نبيل خوري، نائب السفير الأميركي الأسبق لدى اليمن، لصحيفة «الغارديان» إن «نوعاً من التفاهم الضمني» تبلور بين إدارة ترامب والحوثيين. هو تقدير لمسؤول سابق، لا وثيقة موقّعة. لكن مسقط قدّمت صورة كافية: شعار على الرصيف، وسفارة في الداخل، وسفن تمرّ مطمئنة في البحر الأحمر.

والأخطر من التناقض أن تقرير رويترز لم يشر إلى مشاركة الحكومة الشرعية في اللقاء. ذهب الحوثي ممثلاً لنفسه وقوته الميدانية، وتحدّث في ملف البحر والملاحة، بينما بقي اليمن الرسمي خارج الصورة؛ صاحب البحر واقف في الممر، فيما يتفاوض الآخرون على سلامة السفن في مياهه.

وهذا هو الدرس الذي لا تصححه السخرية وحدها. السياسة لا تمنح المقاعد لمن يملك الحق فقط؛ تمنحها أيضاً لمن يملك ورقة ضغط أو يفرض واقعة. الحوثي يعرف كيف يحوّل السلاح إلى مقعد، ثم يحوّل المقعد إلى مكسب. أمّا القوى المناهضة له، فما زالت مطالبة بتوحيد قرارها ومنع التفاهمات الدولية من المرور فوق اليمنيين.

ولا يعني ذلك رفض التفاوض؛ فالحروب تملّ من نفسها وتذهب إلى الطاولة. لكن تفاوضاً يتجاوز الحكومة الشرعية لا يصنع سلاماً، بل ترتيباً مؤقتاً يدفع اليمنيون ثمنه لاحقاً. المطلوب دولة يمنية تستعيد قرارها وموقعها في كل غرفة يُبحث فيها مصيرها.

لم يمت أحد في مسقط. لم تمت أميركا، ولم تمت إسرائيل، ولم يمت الشعار؛ سيُرفع غداً كما رُفع بالأمس. لكن «الموت» في القاموس الحوثي يبدو أقرب إلى لغة الغزل منه إلى لغة الحرب. فالعاشق يقول: «أموت فيك». والحوثي، على طريقته البحرية، قال لأميركا وإسرائيل: أموت فيكما، لكن دعوا سفنكما تمرّ.

هكذا صار الشعار قصيدة غرام سياسية رديئة: أميركا وإسرائيل في صدرها، والسعودية وحدها في بيت الهجاء. فاطمأنّت سفن الحبيبتين، وفق الرواية المنقولة، وبقيت سفن المملكة في مهبّ الاستثناء الحوثي.