الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 | الموافق ٣ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

هل مات الضمير أم تخدّر؟

إيران... حين عاد الرماد إلى مُشعل النار .

حين يغدو الدم حبراً لقصة منسية، وحين تصبح الجماجم جسوراً يعبر عليها السياسيون إلى عروشهم ثم يلتفتون ليدوسوها، يحق لنا أن نصرخ في وجه هذا العالم البارد: هل مات الضمير أم تخدّر؟! بل قُتل صبراً على عتبات المصالح الضيقة والخيانات الصامتة.

نكتب اليوم والقلب يقطر دماً، لا كبراً ولا رثاءً فحسب، بل ذهولاً من حجم الجحود الذي يواجهه أبطال قوات الساحل الغربي؛ تلك الثلة المؤمنة بالأرض والكرامة، التي انطلقت كالسيول الجارفة من باب المندب، لتقهر المستحيل وتطهر ذوباب، والمخا، والخوخة، والدريهمي، وتدك أسوار الحديدة.

أبطالٌ حوّلوا رمال تهامة الحارقة إلى مقبرة لمليشيات الكهنوت الحوثي، وصنعوا من أجسادهم متارس لحماية ما تبقى من شرف هذه الأمة.

واليوم، يتجرعون مرارة الخذلان، ويُتركون لمواجهة مصيرهم بين إهمال يقتل الأحياء، وشماتة سوداء تفوق في دناءتها طعنات الأعداء.إلى قيادة التحالف العربي: ما هكذا تُكافأ اليد التي امتدت بالوفاء!يا من كنتم شركاء الخندق والدم، إن أبطال الساحل الغربي لم يخذلوكم يوماً، ولم يتراجعوا حين فرّ الكثيرون، بل كانوا الرمح الذي مزق أحشاء المشروع الإيراني في السواحل والبحار.

كيف يغمض لكم جفن واليوم يُترك جرحى هذه القوات على أبواب المشافي مستجدين ثمن الرصاصة التي أخرجوها من أجسادهم لحمايتكم وحماية المنطقة؟ كيف يُنسى أسرى الساحل في غياهب زنازين الحوثي دون ضغط حقيقي يكسر قيودهم؟ إن التخلي عن هؤلاء الأبطال في منتصف الطريق، أو السماح بإضعافهم ومحاصرتهم اقتصادياً وعسكرياً، هو تفريط بالدرع الحصين الذي يحمي خاصرة الجزيرة العربية بأكملها.

إن الوفاء يقتضي الوفاء، ودماء الشهداء في الساحل تستصرخ ضمائركم ألا تتركوهم لقمة سائغة لتقلبات السياسة وتفاهماتها الباردة.إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية: كراسيكم مبللة بدمائهم، فبأي وجه تنكرونهم؟أنتم القابعون في الفنادق والقصور، المتلذذون بالمناصب والامتيازات، تذكروا جيداً: إن الكراسي التي تجلسون عليها.

والشرعية التي تتحدثون باسمها، ما كان لها صدى لولا الجماجم التي تحطمت في الساحل الغربي والمناطق الاخرى، ولولا الدماء الزاكية التي سالت لتبني لكم موطئ قدم.

أهكذا تردون الجميل؟ إهمالكم المخزي لملف شهداء وجرحى الساحل هو وصمة عار لن يغسلها التاريخ. عائلات الشهداء يعيشون ضنك العيش ويبحثون عن كسرة خبز يسدون بها رمق أطفالهم، والجرحى المبتورة أطرافهم يصارعون الموت والإعاقة بلا رعاية تفِي بكرامتهم.

إن تنصلكم من مسؤولياتكم تجاه هؤلاء الأبطال، وتجاهل حقوقهم العادلة، هو خيانة صريحة للأمانة، وموت معلن للمسؤولية الأخلاقية والإنسانية.

إلى الرأي العام والشامتين: سقطت أقنعتكم وبقيت تضحيات الأحرار ،أما الطامة الكبرى والأشد إيلاماً من طعنات العدو وإهمال الصديق، فهي تلك الأصوات الناعقة، والنفوس المريضة من "الرأي العام" وأصحاب الأجندات الحزبية الضيقة، الذين يتبادلون التهاني والشماتة بكل وقاحة عند أي تراجع أو سقوط لموقع من جبهات الساحل الغربي بيد المليشيات الحوثية!

أي انحطاط أخلاقي هذا؟ وأي غسيل للأدمغة جعلكم تفرحون بتمكين مليشيا سلالية فجرت المنازل، وهجرت الملايين، واستباحت الأعراض، نكايةً بأبطال اختلفوا معكم سياسياً لكنهم يحمون أعناقكم من مقصلة المشرف الحوثي؟

إن الشماتة بإنكسار جبهات الساحل هي عهر قيمي وسقوط إنساني مدوٍّ، يكشف أنكم ارتضيتم العبودية للمليشيا على أن تروا نصراً يصنعه الرجال الأحرار.

إنكم بشماتتكم هذه تشاركون الحوثي في إطلاق النار على صدور الأبطال.

لن تموت التضحيات وإن الساحل الغربي ليس مجرد جغرافيا، بل هو عقيدة قتالية، وعنوان كرامة، وتاريخ كُتب بالدم لا يمحوه جحود دولة ولا خذلان حليف ولا سفاهة شامت. قد تنجح المؤامرات في خنق الأبطال مؤقتاً، وقد تتواطأ الظروف لإهمالهم، لكن دماء الشهداء وآهات الجرحى ستظل لعنة تطارد كل خاذل وشامت. سينجلي الغبار، وسيذكر التاريخ أن في الساحل الغربي رجالاً بذلوا أرواحهم رخيصة ليعيش الوطن حراً، بينما ماتت ضمائر الكثيرين وهم ينظرون.