السبت، 19 سبتمبر 2026 | الموافق ٦ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

ما تكسر الحجرة إلا أختها..

الاستلاب المتراكب والذل الطوعي

ما من مرتكز أنصع للبلاغة الدينية غير التحذير من آفة الغرور، ولا خلاصة أصفى في الفلسفة من أن التواضع شرطٌ للنجاة من وهم الفوقية. فيما تؤكد التجربة الإنسانية أن التعالي والفوقية ليسا مجرد موقفين نفسيين عابرين أو اعتلالًا أخلاقيًا، بل إنهما غالبًا المدخل الناعم إلى الزوال.

لا تكاد توجد جماعة متطرفة أو إرهابية تمارس العنف المفرط إلا وقد استندت، بصورة أو بأخرى، إلى وهم الاستعلاء؛ إذ تمنح نفسها، انطلاقًا من وهم الاصطفاء والفوقيّة، حقَّ سحق الآخر وإلغاء وجوده واحتكار الحقيقة.

ليست المشكلة في الجماعة الحوثية أنها حديثة العهد بالتمدّن، أو أنها تنحدر من بيئة قبلية قاسية لم تعرف من السياسة واللين ما يكفي،.

وأنها ولدت من رحم الحرب ولم تجد السانحة لتذوق طعم السلام والتعايش؛ فهذه تفسيرات سطحية لا تمس جوهر المشكلة. جوهر المشكلة أنها جماعة تتعامل باستعلاء وتكبّر مع اليمنيين، وتنظر إلى نفسها بوصفها اصفى من المجتمع، وأحقَّ منه بالسلطة والقرار. وليس أي تكبّر، وليس أي استعلاء، بل استعلاء مقدس ديني.

هذا التعالي، إن استمر، سيقود الجماعة واليمنيين جميعًا إلى مزيد من التهلكة والخراب وبالطبع إلى التشدد المضاد. فالمثل اليمني يقول: «ما تكسر الحجرة إلا أختها».

كثيرون، بعبث أو لغاية دفينة، يزيّنون نجاح هذه الجماعة منقطع النظير في التضخم في القوة، وترويض المجتمع وقسره، والصمود في وجه الآلة الحربية الإقليمية أو الدولية.

مرةً يظهرون افتتانهم بأصول الثورة في فقهها الأيديولوجي، دون قراءة تاريخ هذا المبدأ الثوري وانعكاساته الوخيمة على المجتمع اليمني في المعاش والفكر والسكينة. ينظرون إلى الحوثية على أنها زيدية، وينظرون إلى الزيدية على أنها الكتب الخضراء المغلقة بالجلود، ولا ينظرون إلى أن أكبر إنجاز مادي هو وجود أكبر مقبرة في صعدة، هي مقبرة القرضيين.

ومرة أخرى يلوّنونها بالوضع الفاسد والشرعية تحت المجهر، وكأن الجماعة الحوثية ليست فاسدة، بينما الاستبداد هو الفساد بعينه.

وحفنة أخرى تراها بعد ان استسلمت لماكينتها الدعائية وادعائها مناصرة غزة، بعد أن أطلقت عشرين صاروخًا لم تقتل إسرائيلي، بينما أطلقت قبل خمسة أعوام صواريخ باليستية على مسجد في مأرب قتلت ثمانين شخصًا وفي غضون شهرين أطلقت قرابة مائة صاروخ على مدينة المخا.

وسيندم، في نهاية المطاف، كل من هادن هذه الجماعة أو لين صورها في عيون الناس ظنًّا بأن تمددها سيجلب الاستقرار، كما سيندم كل من توهّم أنه بمنأى عن شرّها، أو اعتقد أنها ستنتقم له بنفسها من السعودية أو من دول المنطقة. سيندم الأوروبيون والأمريكيون على أنهم ربّوا أناكوندا في جبال اليمن، حتى تعصر قوتهم ووقودهم وتجارتهم عصرًا.