في السياسة، لا تتغير التحالفات دائمًا عندما تنتهي، بل عندما يتغير الشعور بالحاجة إليها. وهذا ما يبدو أنه يحدث في الخليج اليوم.
لسنوات طويلة، اعتمدت دول الخليج على الولايات المتحدة باعتبارها الشريك الأمني الأهم. وكانت واشنطن ترى في المنطقة جزءًا أساسيًا من منظومتها الاستراتيجية. لكن السنوات الأخيرة حملت معها أسئلة جديدة حول مدى استمرار هذا الدور بالشكل نفسه.
الولايات المتحدة ما زالت قوة عسكرية رئيسية في المنطقة، والعلاقات الأمنية معها لم تنتهِ. لكن الثقة لا تُبنى على القوة وحدها. فقد أصيب كثير من حلفاء واشنطن بخيبة أمل من مواقفها في أزمات مختلفة، وليس في المنطقة العربية فقط، بل حتى لدى حلفائها في مناطق أخرى من العالم.
وجاء الاعتداء الأخير على مكة المكرمة ليضع هذه الأسئلة أمام اختبار حساس. فمكة ليست مجرد مدينة سعودية، بل قبلة المسلمين ولها مكانة خاصة لدى أكثر من مليار مسلم حول العالم. ولذلك كانت ردّة فعل العالم واسعة، وصدرت مواقف وإدانات من دول وشعوب ومنظمات إسلامية وغير إسلامية، في مشهد عكس مكانة المدينة في وجدان العالم الإسلامي، ومقام المملكة العربية السعودية كدولة ذات تأثير وحضور إقليمي ودولي.
وفي المقابل، لم نشهد تحركًا عسكريًا أمريكيًا مباشرًا لحماية المملكة. بل ذهبت للقاء الحوثي وجهًا لوجه في عُمان وأعطته الضوء الأخضر بطمأنته أنها لن تتدخل، في تحدٍّ صارخ وابتزاز كبير للمملكة كي تطبع العلاقات مع الكيان الصهيوني.
ورغم أنها وعدت بالدعم اللوجستي فقط، إلا أن الرسالة وصلت إلى كثيرين في المنطقة، فحواها أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرتبطًا بصورة مطلقة بموقف قوة واحدة.
وهنا بدأت دول الخليج تنظر إلى علاقاتها الدولية بطريقة مختلفة.
لم تعد الفكرة هي البحث عن بديل واحد لأمريكا، وإنما بناء شبكة أوسع من الشراكات. الصين أصبحت شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا، وتركيا تملك حضورًا متزايدًا، وباكستان ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية مع دول الخليج، فيما تحافظ روسيا على قنواتها وعلاقاتها مع دول المنطقة.
هذه التحركات لا تعني أن الخليج، ممثلًا بالسعودية، يدير ظهره لواشنطن. فالولايات المتحدة ما زالت شريكًا مهمًا، وحضورها العسكري والأمني في المنطقة لم ينتهِ. لكن الاعتماد على طرف واحد يبدو أقل حضورًا من السابق.
أمن الخليج لم يعد قضية منفصلة عن أمن البحر الأحمر وباب المندب، وعن أمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية، بل يرتبط أيضًا بأمن المقدسات. وكلما اتسعت التحديات، زادت الحاجة إلى شراكات متعددة وخيارات أكثر.
ربما لم تدخل المنطقة بعد مرحلة ما بعد المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها بالتأكيد دخلت مرحلة ما بعد الاعتماد على المظلة الأمريكية وحدها، وهذا فرق كبير.
فالخليج اليوم لا يبحث بالضرورة عن حليف يحل محل حليف آخر، بقدر ما يبحث عن منظومة علاقات تمنحه أمنًا أكبر، وخيارات أوسع، ومساحة أكبر للحركة والقرار. ولعل في الحلف الثلاثي وروسيا والصين متسعًا كبيرًا ومغانم كثيرة.





