الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 | الموافق ٩ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

نتقرب إلى الله بتعذيبكم!

نتقرب إلى الله بتعذيبكم!

قضية الصحافيين في اليمن ليست قضية مهنية تخص الصحافيين وحدهم، إنها قضية مجتمع يريد أن يعرف ماذا يجري في بلده؟ ومن حق اليمني أن يسمع الحقائق كما هي، ثم يحكم بعقله. أما أن يُسمح برواية واحدة فقط، فذلك ليس إعلاماً.

ما لا يقل عن 117 إعلامياً من الرجال والنساء من مدينة المخا وما جاورها، غادروها سريعاً تاركين ممتلكاتهم ومؤسساتهم بسبب هجوم الحوثي على المدينة وجوارها، لأنهم على يقين أن مصيرهم مع الحوثي هو الاعتقال أو القتل! الحوثي كما هو متوقع لا يريد أن يعرف العالم ما يرتكب من جرائم في حق الشعب اليمني!

في الحروب هناك معركة تدور بالرصاص والصواريخ، وهناك معركة أخرى قد تكون أبقى أثراً: من يكتب القصة؟ ومن يرويها للعالم؟ ومن يقرر ما الذي حدث وما الذي لم يحدث؟

الحوثيون في اليمن فهموا أهمية المعركة الثانية. لذلك لم تكن مطاردة الصحافيين بالنسبة إليهم عملاً جانبياً، ولا مجرد غضب من مقال أو خبر أو تغريدة. إنها جزء من معركة السيطرة على الرواية. المطلوب أن تصل إلى اليمن رواية واحدة، وأن تخرج منه رواية واحدة أيضاً هي رواية الحوثي.

تقرير حديث أصدره "مرصد الحريات الإعلامية في اليمن" (مرصدك)، التابع لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، يغطي الفترة من آذار/مارس 2015 إلى آب/أغسطس 2026، يقدم صورة قاتمة للمشهد. فقد وثق 540 حالة احتجاز تعسفي لصحافيين وإعلاميين، تعرض 235 منهم للإخفاء القسري بين رجال ونساء. أي أن الصحافي لا يُعتقل فحسب، وإنما قد يختفي، فلا تعرف أسرته أين هو، ولا يجد محامياً، ولا يعرف الناس الجهة التي تحتجزه.

الأرقام أكثر دلالة عندما نعرف المسؤول عنها. فوفق التقرير، تتحمل جماعة الحوثي المسؤولية عن 167 حالة من حالات الاختفاء القسري، أي 71.1 في المئة، و17 في المئة على المجلس الانتقالي الجنوبي، وأربع حالات على تنظيم "القاعدة"، وعشر حالات ضد مجهولين.

ولكن الرقم الحوثي، وحجمه، يقول شيئاً أبعد. هناك إصرار على احتكار الحكاية لأنه يعرف أن قصته ومبرراته وحتى سلوكياته، لا تعدو إلا أن تكون تابعة للنظام الإيراني، وربما الأخير هو الذي أتاح له تقنيات الاختفاء القسري والتعذيب، وبعضه حتى الموت!

في صنعاء وحدها سجل التقرير 99 حالة اختفاء قسري، وهي أعلى نسبة بين المحافظات الخاصعة قسراً للحوثي. ثم تأتي الحديدة وغيرها من مدن اليمن. ليست المسألة إذن حادثة هنا أو تجاوزاً هناك. نحن أمام بيئة أصبح فيها الصحافي يعرف أن السؤال قد تكون له كلفة، وأن الخبر الذي لا يرضي السلطة قد يقوده إلى مكان لا يعرفه أحد.

وهنا يتحقق الهدف الأخطر من دون حاجة إلى اعتقال الجميع. يكفي أن تعتقل بعضهم كي يصمت الباقون.

هذه هي الرقابة الأكثر فاعلية: الرقابة التي يحملها الصحافي في رأسه. قبل أن يكتب يسأل نفسه: هل تستحق هذه الجملة أن أختفي بسببها؟ هل يستحق هذا الخبر أن تطرق قوة مسلحة باب منزلي ليلاً؟ وماذا سيحدث لأسرتي؟عندها لا تحتاج السلطة إلى رقيب يجلس في كل صحيفة. يصبح كل صحافي رقيباً على نفسه.

والقضية الأخيرة للصحافي صادق شلي تعيد فتح السؤال نفسه. فقد دعت نقابة الصحافيين اليمنيين إلى كشف مصيره والإفراج عنه بعد خطفه من منزله في مدينة المخا واقتياده إلى جهة مجهولة. مهما تكن الجهة المسؤولة، فإن اختفاء صحافي بهذه الطريقة يضيف حجراً آخر إلى جدار الخوف الذي يحيط بالصحافة اليمنية.

حتى النساء لم يسلمن من ذلك المناخ. التقارير الحقوقية تحدثت عن صحافيات يواجهن تضييقاً مضاعفاً، يبدأ من العمل والتصاريح ولا ينتهي بالملاحقة والمضايقات. وفي مجتمع يعيش حرباً طويلة، يصبح إخراج المرأة الصحافية من المجال العام، بتشويه سمعتهن، وهي أسهل عندما تجتمع سلطة السلاح مع الضغط الاجتماعي.

السؤال: لماذا يخاف حامل البندقية من حامل القلم؟ لأن الأول يستطيع أن يسيطر على شارع، أما الثاني فقد يسيطر على الرواية ويقنع الرأي العام.

والحوثي يعرف أهمية الرواية جيداً؛ فهو يقدم نفسه إلى الخارج من خلال خطاب سياسي وإعلامي محسوب، ويريد أن تُقرأ حرب اليمن من خلال قاموسه هو: من هو المعتدي، ومن هو الضحية، ومن هو المقاوم، ومن هو العميل. لذلك يصبح الصحافي المستقل خطراً، لأنه ببساطة يستطيع أن يقول: لديّ رواية أخرى.

المشكلة تصبح أشد خطورة عندما يلبس القمع ثوب المقدس. فالجماعات العقائدية لا تكتفي عادة بالقول إن خصمها السياسي مخطئ. قد تنتقل إلى اعتباره منحرفاً أخلاقياً أو خائناً أو عدواً لقضية مقدسة. هنا يصبح تعذيب الإنسان أو إخفاؤه قابلاً للتبرير لدى الجلاد، لأنه يقنع نفسه بأنه لا يرتكب جريمة، وإنما يؤدي واجباً دينياً! وكأن الرسالة للضحية: نتقرب إلى الله بتعذيبكم!

هذه أخطر المراحل التي يمكن أن تصل إليها سلطة سياسية؛ عندما يتحول الاختلاف معها من حق طبيعي إلى خطيئة، ويتحول العقاب من إجراء سلطوي إلى فعل يعتقد صاحبه أنه صاحب فضيلة.

اليمن دفع ثمناً هائلاً للحرب: قتلى وجرحى ونازحون وفقر وخراب. إلا أن هناك خسارة أخرى يصعب قياسها بالأرقام، هي خسارة المجال العام. الصحف تغلق، والصحافيون يغادرون، ومن يبقى يتعلم الصمت أو اختيار الكلمات التي لا تغضب صاحب السلاح. حتى المراسلين الصحافيين لا ينجو بعضهم من القتل.

وقد تستطيع أي سلطة أن تمنع خبراً لبعض الوقت، وأن تخفي صحافياً لأشهر أو سنوات، وأن ترهب عشرات آخرين، لكنها لا تستطيع أن تصنع الحقيقة بالقوة.

تجارب التاريخ تقول إن الرواية المفروضة تعيش ما دام الخوف قائماً. وعندما ينكسر الخوف، تخرج الروايات التي ظن أصحاب القوة أنهم دفنوها. وهناك أمثلة حولنا سواء في ليبيا أو العراق!

لهذا فإن قضية الصحافيين في اليمن ليست قضية مهنية تخص الصحافيين وحدهم، إنها قضية مجتمع يريد أن يعرف ماذا يجري في بلده. ومن حق اليمني أن يسمع الحقائق كما هي، ثم يحكم بعقله. أما أن يُسمح برواية واحدة فقط، فذلك ليس إعلاماً. إنه خوف من الحقيقة. ذلك ما هو مسكوت عنه في الصراع اليمني المرير.

المصدر : صحيفة النهار