الجمعة، 25 سبتمبر 2026 | الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

العصفورة ..قاتل الشركات الخفي.

تشريح لبنية ذهنية مغلقة

في كل بيئة عمل تقريباً يظهر موظف يتجاوز حدود وظيفته، ويبدأ في ممارسة دور آخر لم يطلبه منه أحد. يراقب زملاءه. يحفظ زلاتهم.

يتتبع أحاديثهم. يعرف من قال ومن غضب ومن انتقد ومن اختلف مع من. ثم يحمل هذه التفاصيل إلى المدير تحت عنوان مصلحة العمل. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. وجود هذا النوع ممكن في أي مؤسسة، لكن خطورته ترتفع عندما يجد مديراً يمنحه الوقت والاهتمام ويعامله كمصدر مهم للمعلومات.

من تلك اللحظة يفهم الموظف أن الوصول إلى المدير يمكن أن يمر عبر طريق أسهل من الإنجاز. مشروع يحتاج أسابيع. هدف يحتاج شهراً. عميل يحتاج جهداً. أما خبر عن زميل فقد يمنحه جلسة مباشرة مع المدير خلال دقائق. ومع تكرار هذا السلوك تتشكل رسالة واضحة داخل المؤسسة: المعلومة الشخصية قد تمنح صاحبها حضوراً أسرع من النتيجة المهنية.

الموظف الذي يعيش على أخبار الآخرين

الموظف القوي يستطيع الحديث عن نفسه من خلال عمله. أنجز مشروعاً. جلب عميلاً. خفض تكلفة. رفع مبيعات. أصلح مشكلة. حسن نظاماً. لديه أثر يمكن قياسه والعودة إليه.

أما الموظف الذي يعتمد على أخبار زملائه فيحتاج دائماً إلى اسم آخر حتى يصبح حديثه مهماً. فلان تأخر. فلان غضب. فلان انتقد. فلان اشتكى. فلان تحدث عن الإدارة. وتبدأ قيمته أمام المدير في الارتباط بحجم ما يعرفه عن الآخرين.

هنا يستطيع المدير أن يقيس حجمه الحقيقي بسهولة. احذف أسماء الزملاء من حديثه. احذف تفاصيلهم. احذف خلافاتهم. ثم انظر إلى ما بقي. هل بقي إنجاز واضح؟ هل بقي رقم؟ هل بقي مشروع؟ هل بقي أثر ملموس على الشركة؟

عندما تختفي القيمة بمجرد اختفاء أسماء الآخرين، تظهر المشكلة كما هي. هذا موظف صنع لنفسه مكانة من حياة زملائه. لم يستطع أن يجعل عمله كافياً لجذب الانتباه، فاستعان بأخطاء الآخرين كي يصنع حضوره.

هذا شكل من أشكال الفقر المهني. صاحب الكفاءة يرفع نفسه بما يقدمه. وصاحب القيمة الضعيفة قد يحاول رفع نفسه عبر تخفيض صورة من حوله.

أحد أخطر الأخطاء الإدارية أن يتحول ناقل الأخبار إلى عين داخل الشركة. هذه العين ترى من زاوية واحدة. تسمع ما تريد سماعه. تختار ما تنقله. تحذف ما لا يخدم روايتها. وتقرر أين تبدأ القصة وأين تنتهي.

قد يصل إلى المدير رد فعل موظف من دون السبب الذي أدى إليه. قد تصل جملة مبتورة من حديث طويل. قد يظهر اعتراض مهني في صورة تمرد. وقد يتحول خلاف عادي إلى مشكلة كبيرة لأن تضخيم القصة يمنح ناقلها أهمية أكبر.
مع الوقت، تبدأ الصور الذهنية في التكون.

هذا الموظف سلبي. هذا كثير الاعتراض. هذا غير مخلص. هذا يسبب المشكلات. وقد تكون هذه الصور مبنية على سلسلة من الروايات القادمة من شخص واحد.

هنا يحصل ناقل الأخبار على سلطة. لا يملك قرار الفصل أو العقوبة، لكنه يستطيع التأثير في الشخص الذي يملك القرار. يكفي أن يختار المعلومة المناسبة، والشخص المناسب، والتوقيت المناسب.

وهنا تحدث مفارقة خطيرة. المدير يعتقد أنه يستخدم الموظف لمعرفة ما يحدث داخل الشركة. وفي بعض الحالات يصبح الموظف نفسه قادراً على توجيه انتباه المدير وصناعة انطباعاته عن الآخرين. ويستخدم المدير حتى. لإقصاء الموظفين الأعلى قيمة مهنية منه. عن طريق الوشاية ونقل الأخبار.

وعندما يعرف الموظفون أن أحاديثهم تصل إلى الإدارة، يبدأ سلوكهم في التغير. الموظف يحسب كلماته. يتردد قبل الاعتراف بخطأ. يخشى طرح رأي مخالف. يتحفظ في النقاش. يختار العبارات الآمنة. ويتجنب الحديث الصريح في المشكلات.

هذه الحالة ترتبط مباشرة بمفهوم الأمان النفسي في الإدارة. أبحاث إيمي إدموندسون من هارفارد، ومنها دراسة شملت ٥١ فريق عمل، أظهرت ارتباط الأمان النفسي بسلوكيات التعلم داخل الفرق، وارتباط تلك السلوكيات بالأداء.

الفكرة بسيطة. الفريق يتطور عندما يستطيع أفراده الاعتراف بالأخطاء، وطرح الأسئلة، ومناقشة المشكلات، وتقديم الآراء المختلفة من دون خوف مستمر من أن تستخدم هذه الأمور ضدهم.

وجود ناقل أخبار معروف داخل الفريق يغيّر هذه المعادلة. الموظف يبدأ في حماية نفسه قبل أن يفكر في تطوير العمل. وقد يبدو الفريق أكثر هدوءاً من الخارج، بينما يكون السبب الحقيقي هو الخوف من الكلام.

الهدوء هنا خادع. المشكلات ما زالت موجودة. الأخطاء ما زالت تحدث. الاعتراضات ما زالت موجودة. الذي اختفى هو الكلام الصريح عنها.

وهذه خسارة خطيرة للإدارة. المشكلة التي تسمع عنها مبكراً يمكن إصلاحها. أما المشكلة التي يخفيها الموظفون خوفاً من العواقب فقد تكبر حتى تصبح مكلفة.

النميمة تصل في النهاية إلى الأداء

البعض يتعامل مع النميمة داخل العمل على أنها خلاف شخصي بين الموظفين. الدراسات تشير إلى أثر أوسع.
دراسة منشورة في إنترناشونال جورنال أوف هوسبيتاليتي مانجمنت اعتمدت على بيانات ٥٧٤ ثنائياً من الموظفين والمشرفين في عشرة فنادق.

ووجدت ارتباطاً بين النميمة السلبية وبين تراجع بعض جوانب الأداء الخدمي والسلوكيات الإضافية الموجهة لخدمة العملاء. وكان ضعف شعور الموظف بالانتماء إلى المؤسسة من المسارات المفسرة لهذه العلاقة.

الموظف الذي يشعر أن سمعته تتداول في غيابه يبدأ في تغيير علاقته بالمكان. ثقته تنخفض. استعداده للمبادرة يقل. حماسه لتقديم جهد إضافي يتراجع. وتبدأ طاقته في التحول من الإنتاج إلى حماية النفس.

من هنا تتحول النميمة إلى تكلفة حقيقية. قد لا تظهر مباشرة في التقارير المالية، لكنها تظهر في المبادرة المنخفضة، والتعاون الضعيف، والتوتر، وتراجع جودة التواصل، وزيادة الرغبة في الرحيل.

بعض المديرين يبرر سلوك الموظف الناقل للأخبار بسبب أدائه الجيد. يقول إن الموظف يحقق أرقامه، أو يبيع جيداً، أو ينجز المطلوب منه. هذا التقييم ينظر إلى نصف الصورة فقط.

دراسة مايكل هاوسمان وديلان ماينور بعنوان توكسيك وركرز حللت بيانات أكثر من ٥٠ ألف موظف في ١١ شركة. ووجد الباحثان أن تجنب العامل السام والناقل للأخبار حقق في عينة الدراسة منفعة اقتصادية أكبر من المنفعة الناتجة عن رفعه وسماع كلامه.

وقدرت الدراسة تكلفة دوران الموظفين الإضافي المرتبط بالعامل السام بنحو ١٢ ألف دولاراً. وكانت الفكرة الأهم أوسع من الرقم نفسه. الموظف قد يحقق نتيجة جيدة منفرداً، ثم يسبب ضرراً أكبر حوله.

قد يحقق مبيعات مرتفعة ويخلق توتراً في الفريق. قد ينجز عمله بسرعة ويستهلك وقت المدير في الخلافات. قد يحقق هدفه الشهري ويساهم في خروج موظف جيد.

تقييم الموظف يحتاج إذن إلى النظر في أثره الكامل. ما الذي يضيفه؟ وما الذي يستهلكه؟ وما أثر وجوده على الآخرين؟ عامل سام واحد قد يدمر أداء كل موظفين الشركة.

المدير الذي يملك نظاماً واضحاً يعرف موظفيه من نتائجهم. المبيعات تكشف من يبيع. الجودة تكشف من يتقن. الأخطاء تكشف القصور. الحضور موثق. المواعيد واضحة. رضا العملاء قابل للقياس. الأهداف محددة.

في هذه البيئة يصبح تأثير الكلام محدوداً. يصعب على أي موظف أن يصور زميلاً ناجحاً على أنه مقصر عندما تكون أرقامه أمام الجميع. ويصعب عليه أن يصور نفسه بطلاً عندما تكشف النتائج ضعفه.

أما عندما تغيب المؤشرات، يملأ الكلام الفراغ. وتبدأ الروايات في أخذ مكان البيانات. ويصبح قرب الموظف من المدير عنصراً مؤثراً في الصورة التي تتكون عنه وعن زملائه.
هنا يتحول ناقل الأخبار من موظف عادي إلى مركز معلومات غير رسمي.

ومع زيادة الاعتماد عليه، يزداد نفوذه. ومع زيادة نفوذه، يزداد حذر الآخرين منه. ثم تبدأ المؤسسة في الدوران داخل دائرة مغلقة من الشك والمراقبة والكلام.

والسؤال هنا يتجه إلى الإدارة نفسها. إذا كان المدير يحتاج إلى موظف يخبره باستمرار من يعمل ومن يقصر، فهناك خلل واضح في أدوات القياس والرقابة.

ناقل الأخبار يستفيد من استمرار الفوضى

الموظف المنتج يستفيد من وضوح العمل واستقرار الفريق. البيئة المنظمة تساعده على الإنجاز. ناقل الأخبار يحصل على قيمته من شيء مختلف. كل خلاف يمنحه قصة. كل توتر يمنحه معلومة. كل مشكلة تمنحه فرصة جديدة للدخول إلى مكتب المدير.

وهذا يخلق حافزاً خطيراً. طالما أن الأخبار تمنحه مكانة، سيستمر في البحث عنها. وطالما أن الخلافات تمنحه أهمية، سيظل قريباً منها. وطالما أن الحديث عن الآخرين يجذب اهتمام المدير، ستبقى حياة الآخرين مادة جاهزة للاستخدام. وهذا يدمر بيئة العمل ولا يُعَد إبلاغ مهني.

الإبلاغ المهني مختلف تماما. المؤسسة تحتاج إلى الإبلاغ عن المخالفات الحقيقية. السرقة تحتاج إلى إبلاغ. التزوير يحتاج إلى إبلاغ. التحرش يحتاج إلى إبلاغ. الفساد والمخالفات النظامية وأخطار السلامة والأضرار الواقعة على العملاء تحتاج إلى قنوات واضحة وآمنة ،هذه المعلومات لها أثر مباشر ويمكن التحقيق فيها والتحقق منها.

أما مراقبة العلاقات الشخصية، ونقل المزاح، وجمع أحاديث الاستراحة، ونقل الآراء الخاصة، ومتابعة من يحب من ومن يختلف مع من، فهي مادة لا تصنع قراراً إدارياً جيداً.

خلط النوعين يخلق مشكلة إضافية. المخالفة المهمة تضيع وسط عشرات القصص. ويتحول الإبلاغ المهني من أداة حماية إلى قناة مزدحمة بالتفاصيل التافهة.

النهاية الأخطر: خروج الموظف الجيّد وبقاء ناقل أخباره.
الموظف الجيد يستطيع غالباً العثور على فرصة أخرى. وعندما يشعر أن عمله لم يعد المعيار الأساسي، وأن صورته داخل الإدارة يمكن أن تتغير بسبب روايات غير موثقة، يبدأ في التفكير في الرحيل.

هنا تظهر نتيجة شديدة القسوة على الشركة. الموظف المنتج يغادر. ناقل الأخبار يبقى. وبعد رحيل الأول، يدخل الثاني إلى مكتب المدير ليشرح أسباب خروجه.

الشركة تكون قد خسرت مرتين. خسرت موظفاً كان يصنع قيمة. واحتفظت بموظف كان منشغلاً بمراقبته.

ناقل الأخبار يصبح خطيراً عندما تمنحه الإدارة قيمة. الاهتمام المتكرر يحوله من شخص فضولي إلى شخص مؤثر. وهادم للشركة.

الحل يبدأ من المدير. أعِد الموظف إلى وظيفته. قيّمه بنتائجه. اطلب وقائع قابلة للتحقق. اجعل المخالفات الحقيقية تمر عبر قنوات واضحة. وأغلق الباب أمام الحياة الشخصية والقيل والقال.

الموظف القوي يحمل إلى الإدارة إنجازه. الموظف الضعيف قد يحمل إليها أسماء الآخرين. بإختصار: الشركات تبنى بالنتائج، والأنظمة، والثقة، والوضوح. وتدمر بالعصافير.