المفارقة أن الشرعية في اليمن تدير المعركة مع الحوثيين بانتظار ما تقرره المملكة العربية السعودية والسعودية عبر تاريخها لا تبني أمنها على ما تملكه، بل على ما تنتظره من واشنطن..
الشرعية تنتظر ردة فعل المملكة على هجمات الحوثيين على أراضيها ومنشآتها والسعودية تنتظر الحرب الأمريكية الإيرانية، وكأن المسألة موعد على التقويم. مازالت السعودية تنتظر إنتهاء الهدنة في نوفمبر بين واشنطن وطهران،وتمني نفسها بأن تفتح أمريكا أبواب الجحيم على إيران. ينام المسؤولون السعوديون ويستيقظون وهم يحلمون بالمنازلة الكبرى بين واشنطن وطهران.
وكأن الحروب الكبرى تدار بهذه البساطة، أو كأن علاقة واشنطن بطهران منذ 1979 لم تكن طوال عقود مزيجا من الصدام والضغط والتفاوض المباشر وغير المباشر...
وهكذا يتحول الأمن اليمني والسعودي من استراتيجية مستقلة إلى غرفة انتظار: انتظار الشرعية للرياض وانتظار الرياض لواشنطن كي تحسم المعركة مع إيران، أو انتظار واشنطن كي تغير سياستها مع الحوثيين..
لكن السياسة الدولية لا تعمل بمنطق الانتظار. الدول التي تربط مستقبلها بموعد حرب أو بتغيير سياسات، لا تصنع موقعها في الإقليم، بل تنتظر الآخرين كي يقرروا لها شكل هذا الموقع..
هذا الانتظار انعكس على إدارة المعركة مع الحوثيين. فعلى الأرض، لا تكاد توجد مواجهة فعلية اليوم خارج جبهة تعز، بينما تبقى جبهات البيضاء ومأرب وصعدة والجوف والضالع وحجة ولحج خارج الفعل العسكري الحقيقي. الحوثي يختار أين يتحرك، وينقل ثقله من الساحل إلى تعز، فيما تبدو بقية الجبهات معلقة بقرار لم يتخذ..
وهنا تتضح معادلة الانتظار كاملة: الشرعية تنتظر ما تقرره السعودية، والسعودية تنتظر ما ستسفر عنه المواجهة الأمريكية الإيرانية، بينما يبقى الحوثي الطرف الوحيد الذي لا ينتظر أحدا ليحدد له أجندة معركته..
وهذا يعني أن القرار السياسي والعسكري اليمني أصبح، بصورة أو بأخرى، أسير لترتيبات إقليمية ودولية أكبر منه. والمفارقة أن هذه الترتيبات تبنى على انتظار حسم أمريكي للصراع مع إيران، بينما تاريخ هذا الصراع منذ 1979 يقول إن واشنطن أتقنت الاحتواء وإدارة الخصومة مع إيران..
فإذا كانت أمريكا لا تتعامل مع إيران بمنطق الإنهاء، فلماذا تبني المملكة استراتيجياتها على انتظار ما ستقوم به أمريكا وانتظار الشرعية لما ستقوم به الرياض؟ فلماذا لا تفتح الجبهات مرة واحدة للضغط على الحوثيين وإجبارهم على الخضوع للسلام والإرادة الشعبية؟.





