ربما لم تكن فاطمة تعرف، وهي تبكي في مدرجات مباراة اليمن والبحرين، أن عدسة صغيرة ستنقل وجهها إلى آلاف البيوت، وأن دموعها ستصبح أكبر من نتيجة مباراة وأبعد من حدود ملعب.
كانت لحظة بسيطة في ظاهرها: هدف يمني رابع، طفلة تفرح، ثم تنهمر الدموع.
لكن بعض اللحظات لا تحتاج إلى قصة مكتوبة مسبقًا كي تصبح قصة.
يكفي أن تنظر إلى وجه طفل عاش معظم سنوات وعيه وهو يسمع اسم بلده مقترنًا بالحرب والأزمات والنزوح والفقر، ثم يرى ذلك البلد نفسه، ولو لتسعين دقيقة، مختلفًا أمام عينيه: يهاجم، ويسجل، ويفرح، ويجعل الآخرين يلتفتون إليه لا شفقةً هذه المرة، بل إعجابًا وفرحًا.
عندها نفهم لماذا بكت فاطمة. ربما لم تكن تبكي لأن الكرة دخلت الشباك فقط. ربما كانت تبكي لأن اليمن دخل، للحظة، إلى مكان آخر في الذاكرة.
فالأطفال لا يفهمون الوطن كما نشرحه نحن في الخطب والكتب. الوطن بالنسبة إليهم أشياء أبسط وأصدق: علم يريدون ارتداءه، فريق ينتظرون نتيجته، أغنية يحفظونها، لهجة يسمعونها فيطمئنون، واسم بلد يحبون أن يذكروه أمام زملائهم بشيء من الاعتزاز.
أخبرني صديق عن ابنه الصغير الذي عاد من المدرسة يسأل عن نتيجة المنتخب، ثم اتصل به فرحًا: "بابا، فزنا خمسة! شفت المباراة؟"
الطفل نفسه طلب من قبل أن يشتري له والده قميص المنتخب اليمني. وكان يلعب برنامجًا يحاول تخمين جنسيته من ملامحه؛ فإذا ظهر علم بلد آخر أصر على إعادة المحاولة، وحين ظهر علم اليمن أخيرًا امتلأ فرحًا، كأن شاشة صغيرة أعادت إليه شيئًا كان يبحث عنه.
قد تبدو هذه التفاصيل عابرة للكبار، لكنها ليست كذلك ،فالطفل الذي يعيش بعيدًا عن وطنه لا يرث فقط جواز سفر أو اسم مدينة أو لهجة أسرته. إنه يرث أيضًا الصورة التي يقدمها العالم لذلك الوطن. وإذا كانت الصورة التي تصل إليه كل يوم هي حربًا وخرابًا وانقسامًا، يصبح السؤال أكثر قسوة: أين يجد الطفل شيئًا جميلًا يعلقه في ذاكرته عن المكان الذي ينتمي إليه؟
لهذا كانت دموع فاطمة مهمة ،لم تكن دموع ضعف، بل دموع فخر ،كانت فرحة أكبر من قدرة طفلة على احتوائها ،وربما لهذا أيضًا تأثر بها الكبار أكثر مما توقعوا. لأن الإنسان، مهما كبر، يحتفظ في داخله بذلك الطفل الذي يريد أشياء شديدة البساطة: أن يفرح بأهله، أن يطمئن إلى انتمائه، أن يشعر أن وطنه قادر على أن يمنحه خبرًا سعيدًا، وأن يرى أبناء بلده مجتمعين حول شيء لا يختلفون عليه.
نحن الكبار نتعلم مع السنوات كيف نخفي مشاعرنا. نتحدث عن الأوطان بلغة السياسة والاقتصاد والحرب والمصالح والتوازنات. نختلف، ونتجادل، ونصنف بعضنا بعضًا، حتى يكاد الوطن نفسه يضيع وسط تعريفاتنا له.
ثم تأتي طفلة، بلا خطاب ولا شعارات، وتبكي أمام الكاميرا.
وفي لحظة واحدة تعيد المعنى إلى بساطته الأولى.
الوطن هو أيضًا ذلك الشيء الذي يجعل طفلة تبكي من الفرح.
ولعل هذا هو الدرس الأجمل في المشهد كله ،فنحن كثيرًا ما نتحدث عن إعادة بناء اليمن، وغالبًا ما تتجه أفكارنا مباشرة إلى الطرق والمدارس والمستشفيات والمؤسسات. وكل ذلك ضروري بلا شك. لكن هناك بناءً آخر لا يقل أهمية: بناء العلاقة بين الإنسان ووطنه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان.
أن يكبر الطفل اليمني وهو قادر على أن يرى في ابن بلده شريكًا في فرحة، لا خصمًا محتملًا.
أن يتعلم أن اختلاف المنطقة أو اللهجة أو المذهب أو الخلفية لا يلغي حقيقة أبسط وأعمق: أن الجميع يريدون لأطفالهم الأمان والكرامة والفرح والمستقبل.
وأن ندرك أن المجتمع لا ينهض فقط حين تتوقف أصوات البنادق، بل حين تبدأ أصوات أخرى في الارتفاع: ضحكة طفل، تشجيع جمهور، نجاح طالب، موسيقى، كتاب، ملعب ممتلئ، ومشهد يجعل الناس، ولو لدقائق، يشعرون أنهم عائلة واحدة.
الرياضة وحدها لن تحل مشكلات اليمن، ولا ينبغي أن نحمل مباراة كرة قدم أكثر مما تحتمل ،لكنها تستطيع أن تفعل شيئًا مهمًا جدًا: أن تذكرنا بما يمكن أن نكون عليه عندما نجتمع حول الأمل بدل أن نتفرق حول الخوف.
في المدرجات لا يسأل الهدف من أي محافظة جاء من سجله. ولا يسأل الجمهور إلى أي جماعة ينتمي اللاعب الذي صنعه. لثوانٍ قليلة تسقط كل الأسئلة الصغيرة، ويبقى اسم واحد على الألسنة ، اليمن.
وهذه ليست دعوة إلى الهروب من الواقع ،بل ربما هي دعوة إلى رؤيته بطريقة مختلفة ،فالشعوب لا تستطيع أن تعيش طويلًا على الحزن وحده. والإنسان لا يمكن أن يُطلب منه الصمود إلى ما لا نهاية من دون أن نعطيه أسبابًا يحب من أجلها الحياة التي نصبره عليها.
نحتاج إلى أن نصنع لأطفالنا ذكريات أخرى عن اليمن.
ذكريات لا تبدأ دائمًا بصوت انفجار ،نحتاج أن يعرفوا اليمن من خلال لاعب يركض فرحًا، وطالبة تتفوق، وفنان يبدع، وطبيب ينقذ حياة، ومهندس يبني، وجار يساعد جاره، وناس يختلفون لكنهم يرفضون أن يتحول اختلافهم إلى كراهية.
فالوطن في النهاية ليس الأرض وحدها.
الوطن هو نوع العلاقة التي نبنيها فوق هذه الأرض.
وإذا أردنا يمنًا مختلفًا، فعلينا أن نسأل أنفسنا: ما المشاعر التي نزرعها اليوم في الأطفال الذين سيصبحون يمن الغد؟
هل نورثهم مخاوفنا وانقساماتنا فقط؟
أم نترك لهم أيضًا مساحة للحب والثقة والأمل؟
ربما لهذا ستبقى صورة فاطمة أطول من نتيجة المباراة نفسها ،بعد سنوات قد ننسى ترتيب البطولة، ومن سجل الهدف الرابع، وفي أي دقيقة جاء ،لكن من الصعب أن ننسى وجه طفلة رفعت يديها، وضحكت، ثم خانتها قدرتها على احتمال الفرح فانفجرت بالبكاء.
في تلك اللحظة لم تكن فاطمة وحدها تبكي.كان خلفها يمنيون كثيرون، في الداخل وفي المنافي، أخفوا طفلهم الداخلي طويلًا تحت طبقات الأخبار الثقيلة.
وكانت دموعها تقول عنهم جميعًا شيئًا بسيطًا:نحن لا نريد أن نبقى قصة حرب إلى الأبد. نريد أن نفرح أيضًا.نريد أن نحب ونُحب.
نريد أن يشعر أطفالنا أن انتماءهم إلى اليمن ليس حزنًا ورثوه، بل أملًا يستطيعون أن يصنعوه ،وربما يبدأ بناء الأوطان من هنا: ومن اللحظة التي نقرر فيها أن مستقبل أطفالنا يستحق أن يكون أكبر من ماضينا، وأن ما يجمعنا أثمن مما يفرقنا، وأن الفرح، حين نتقاسمه، ليس تفصيلًا صغيرًا في حياة الشعوب ،إنه أحد أشكال الحياة نفسها.





