الخميس، 8 أكتوبر 2026 | الموافق ٢٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

كيف حول فقهاء السلاطين الكذب إلى فقه ومؤسسة؟

وزارة حقوق الإنسان وفقدانها لرؤية إصلاحية جريئة

​لم يكن الكذب في تاريخنا العربي مجرد سلوكٍ فردي أو خطيئة عابرة يلام عليها صاحبها ، بل تحول عبر العصور بفعل الثقافة الموجهة إلى ظاهرة ملازمة للواقع السياسي، ومؤسسةٍ قائمة بذاتها. ولم تكن هذه الظاهرة لتستشري وتتجذر لولا تلك التغطية الفقهية التي وفرها فقهاء السلاطين. الذين احترفوا التحايل على الوعي الجمعي للأمة، وشرعنوا الزيف باسم الدين والدولة.

​لقد ابتدع هؤلاء الفقهاء تقسيماً طبقياً للخطيئة فجزأوا الكذب إلى نوعين: كذب أسود وكذب أبيض مباح ، فإذا كذب الفقير، غدا كذبه جريمة سوداء ، وإذا صرخ عامة الشعب الفقير عن مظلوميتهم ، استوجب عقابهم بأشد العقاب.

أما إذا كذب الملوك، والأمراء، والقائمون على خزائن السلطان، تحولت كذبتهم بقدرة قادر إلى كذبة بيضاء ناصعة، تبررها مقتضيات السياسة والمصلحة العامة.

​ولم يتوقف هذا التزيف عند حدود التقسيم الطبقي، بل جرى إقحام أدوات الاجتهاد التشريعي وعلى رأسها فقه القياس ، في مسائل لا ينطبق عليها بمبدأ القياس ، كل ذلك من أجل إسباغ شريعية زائفة على استبداد الحكام وفسادهم.

ولعل أغرب ما جادت به قريحة أولئك الفقهاء، هو قياسهم العلاقة بين الحاكم والشعب على العلاقة بين الزوج وزوجته؛ فكما يصور للزوجة أنه لا يحق لها محاسبة زوجها على مصادر دخله أو أين يضع ماله، يسقط هذا القياس الفاسد على الأمة بأكملها، ليعصم الحكام والأمراء ومسؤولي الخزائن من أي مساءلة شعبية حول ثرواتهم الفاحشة وطرق تجميعها.

​إن خطورة هذا الفقه السياسي المأجور المغلف بالدين ، لا تكمن فقط في تبرير كذب الحاكم، بل في تجريد الشعوب من حقها الأصيل في الرقابة والمحاسبة، وتحويل الفساد المالي والسياسي إلى حق مشروع للحاكم، مقابل صمت مفروض على المحكومين. وبذلك أُسست واحدة من أعمق أزمات العقل العربي: عصمة السلطة وتجريم المساءلة.