الإثنين، 12 أكتوبر 2026 | الموافق ٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

الصراع اليمني تجاوز الحدود لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

لم تكن قراءتي لما يجري في اليمن يوماً استجابة لضجيج الواتساب، ولا انحيازا لأحقاد ما قبل 2011 أو خصومات ما بعدها، بل كانت محاولة لفهم ما وراء المشهد، استنادا إلى ما يُنشر من تقديرات مراكز الأبحاث، وما يتداول في أوساط سياسية غربية. ولهذا، أجدني اليوم مضطرا إلى كتابة هذه الشهادة، لا طلبا للإنصاف من أحد، بل إبراء للذمة أمام التاريخ..

قلنا إن هذه الحرب، في جانبها الأكبر، تجاوزت حدود الصراع اليمني، وأصبحت جزءا من معركة إعادة تشكيل الشرق الأوسط. وقلنا إن أخطر نتائجها ليست ما تخسره الأطراف من أرض، بل ما يخسره اليمنيون من أرواح وكرامة وسيادة، حتى ينتهي بهم الحال أسرى لمشاريع الآخرين، يستمدون عزتهم من الرياض أو طهران، ويستجدون البركة من حراس هذا المحور أو ذاك..

وقلنا إن التعبئة التي لا تسندها استراتيجية ليست سوى تخدير للجبهات وإلهاء للناس، وإن من يخذل المقاتلين ليس من يكشف مواطن الخلل، بل من يصر على إعادة إنتاج الفشل، ويُبقي القرار رهينة قيادات أثبتت، طوال اثني عشر عاما، عجزها عن إدارة المعركة وتحويل التضحيات إلى نصر كاذب..

وقلنا إن بلدا يتحدث باسمه العليمي والبركاني ومعمر الإرياني وبن دغر والعقيلي، من دون مشروع وطني جامع وقرار مستقل، لن يخرج من دائرة التيه. وإن من يراهن على تحالفات الخارج، ويهمل بناء القوة اليمنية وتوحيدها، إنما يسلم مفاتيح مستقبله للآخرين. أما شرعية يتبادل مكوناتها اتهامات الخيانة، فلن تحتاج إلى عدو يهزمها، إذ ستتكفل هي بهزيمة نفسها..

وحذرنا من أن تدار المعركة بعقلية دبلوماسية عاجزة عن فهم الحرب، وبسفارات لا تحول التضحيات إلى نفوذ سياسي، ولا النفوذ إلى مكاسب وطنية. فالحروب لا تحسم بالشعارات، ولا تدار بالأماني، ولا ينتصر فيها من ينتظر قرار الآخرين..

واليوم، أقولها بوضوح: لا تنتظروا السعودية، فهي تنتظر أمريكا، ولا تراهنوا على أمريكا باعتبارها ضامنا لانتصار اليمن، فالدول لا تتحرك بدافع الوفاء، بل وفق حسابات مصالحها. فأمريكا قد تفاهمت مع الحوثيين، وهي تقيس مصالحها بما تحققه واشنطن، لا بما تنقذه من اليمنيين..

ليس المطلوب أن نرفض السلام، بل أن نرفض السلام الذي يتحول إلى استسلام، وأن نتمسك بمشروع وطني يوقف نزيف الدم ويحفظ السيادة ويستوعب اليمنيين جميعا. فإن قبل الحوثيون بسلام عادل وشامل، فذلك مكسب لليمن. وإن أصروا على فرض إرادتهم بالقوة، فلا بد أن يمتلك اليمنيون قرارهم وقدرتهم على الدفاع عن أنفسهم، بعيدا عن الارتهان للخارج وتبديد التضحيات في صراعات القيادات..

هذه ليست دعوة إلى حرب مفتوحة، ولا تفويضا لأحد بمواصلة النزيف، إنها دعوة إلى امتلاك القرار، وتوحيد الصف، وجعل السلام خيارا وطنيا لا منحة خارجية، وجعل القوة وسيلة لحماية اليمن لا وقودا لمشاريع الآخرين..

لقد قلنا ذلك حين كان التحذير تهمة، والنقد خيانة، وكشف الخلل طعنا في عزائم المقاتلين كما حاول البعض ترويجه. وها نحن نقوله اليوم لأن الأوطان لا تنقذها المجاملات، ولأن الصمت عن الخطأ حين تتضح نتائجه ليس حكمة، بل مشاركة في المسؤولية عنه..

أبرأنا ذمتنا بالتحذير، ويبقى على أصحاب القرار أن يبرئوا ذممهم بالفعل، فالتاريخ لا يسأل عمن رفع صوته بالشعارات، بل عمن أنقذ وطنا من الهزيمة، وصان كرامة شعب، ومنع الآخرين من تقرير مصيره نيابة عنه..