افتتاحية صحيفة عكاظ السعودية لعدد اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 ليست مجرد مقال رأي يعبر عن هيئة تحرير الصحيفة كما هو معتاد في هذا النوع من المقالات، بل ينبغي أن تُقرأ كرسالة سعودية غير رسمية إلى المسؤولين والنخبة السياسية المقيمين في خارج البلاد، مفادها: "لقد ضقنا ذرعاً ببعدكم عن وطنكم، وأنه مهما فعلنا ودعمنا، فإنه لا يمكن لنا أن ننجح إذا لم تكونوا أنتم من يقود المعركة في الداخل".
هذه رسالة لطالما بعث بها الكثير من المواطنين اليمنيين على مدى سنوات وبشكل مستمر؛ بأنه إذا لم يعد المسؤولون إلى الداخل، فإنه لا يمكن استعادة الدولة ولا هزيمة الحوثيين الذين تتواجد قيادتهم في الداخل. لكن هذه الرسالة لم تلقَ آذاناً صاغية لمن قطعوا صلتهم باليمن، إلا من خلال الحكم باسمه والاستفادة من الموارد المالية.
وفي بلد مثل السعودية، لا يمكن التعامل مع مثل هذه الافتتاحية بمعزل عن السياق السياسي الذي تصدر فيه؛ فمن الصعب افتراض أن خطاباً بهذا الوضوح بشأن قضية حساسة كهذه لا ينسجم، في الحد الأدنى، مع مناخ يسمح بانتقاد أداء النخبة اليمنية ومساءلتها عن مسؤولياتها.
وإن لم تكن الافتتاحية رسالة حكومية مباشرة، فإنها تعكس، في أقل تقدير، نبرة امتعاض من المسؤولين اليمنيين والنخبة السياسية عموماً، الذين تركوا بلادهم واستقروا في الخارج مع أسرهم، ويتمتعون بالامتيازات ويتقاسمون المناصب والموارد، بينما يريدون تحرير بلدهم عن بُعد.
وسواء كانت هذه رسالة رسمية أو غير رسمية، فهي تلامس الحقيقة عند الكثير من اليمنيين. الصحيفة تُعيد التذكير بأنه مهما كان حرص دول التحالف على استعادة اليمن، ومهما بلغت مجهوداتها في إعادة الشرعية إلى عاصمتها صنعاء، فإن كل ذلك لا يُغني من المبادرات والمحاولات شيئاً إن لم يكن اليمنيون على قلب رجل واحد.
وفي الواقع، فإن المشكلة كانت وما زالت في النخبة نفسها لا في الشعب؛ فهي متوحدة في الفساد ومنقسمة على ذاتها فيما يتعلق بالجدية والإرادة لاستعادة الدولة.
كما أن الصحيفة توبخ هؤلاء المسؤولين والنخبة الذين يستفيدون من المزايا -سواء من مزايا الدولة اليمنية أو من السعودية وغيرها- وتقول لهم إن العيش في "المنافي ربما يُشعرهم بالاطمئنان في ظل عيش الكفاف مع توفر الرواتب والإعانات، وتأمين مدارس لأولادهم، والخدمات الصحية، والحياة الاجتماعية ولعل مثل هذا الشعور بالاستقرار النسبي يُنسي صاحب القضية قضيته أو يُخَدِّره لبعض الوقت، وتصبح الأشياء في عينيه متساوية.
ومثل هذه الظروف الوقتية الخادعة تدفع للتصالح مع واقع غير منصف ولا موضوعي، يُضعف بالتراكم حِسَّ الانتماء للوطن وقضيته، وحينها يتضاءل الأمل في تحقيق أي انتصار؛ فحتى لو تحققت انتصارات للتحالف، لن تجد من يعززها أو يحافظ عليها".
هذه رسالة قوية وصحيحة حتى من الناحية النفسية؛ فهؤلاء الذين يعيشون في حياة أقرب إلى الرفاهية المثالية، كيف يمكن أن يكون لديهم الهمة أو الاستعداد للتضحية بها إذا عادوا للداخل وتحملوا المسؤولية من هناك؟ لقد وجدوا في الحرب فرصة للهروب والحكم بطريقة مثالية بدون أي التزامات، عدا تخدير الشعب بشعارات استعادة الدولة والتصريحات، بينما هم في الواقع ليسوا مستعدين لمغادرة هذه الحياة ولا التخلي عن هذه الامتيازات.
ولعلنا نعرف جميعاً أنه إذا كان شخص ما قد تعود على الحياة في مسكن مريح (فندق أو سكن عادي) وبيئة حياة مستقرة تتوفر فيها كل سبل العيش، فلا شك أن نفسيته ومزاجه وأولوياته وتفكيره ورغباته ستختلف كلياً عما كان عليه الحال قبلها في البيئة الأخرى.
وطبقاً لذلك، من الصعب أن نتصوّر أنه يمكن أن يتخلى عن هذه الحياة ويفكر في العودة إلى ما كان عليه، سواء كان مواطناً عادياً أو مسؤولاً، فكيف حين يكون مسؤولاً ولديه امتيازات تجعل منه ثرياً.
ولذلك، فإن حديث المسؤولين عن استعادة الدولة -طالما هم في الخارج- مجرد ذر للرماد في العيون؛ ذلك أن من تَطَبَّع وعاش حياة مريحة لا يمكن له أن يتركها مقابل العودة إلى الداخل ليعيش ظروف الناس العادية، وهذا ما أثبتته السنوات الماضية.
هذه الرسالة تحمل وتنطوي على عتاب أو شعور بخيبة الأمل من هؤلاء المسؤولين، عندما تقول إنه حتى عندما حقق التحالف انتصارات لم يجد من يحافظ عليها، وفي ذلك إشارة إلى ما حصل في الساحل الغربي مؤخراً وغيرها من الأمثلة، وهذا صحيح.
الافتتاحية لم تُغفِل مسؤولية الشعب تجاه هذه القضية ومسؤوليته تجاه استعادة الدولة، ولا صمته تجاه قياداته؛ فهي تقول له وتذكّره بتجارب الشعوب المختلفة التي "سلّمت قضاياها لغيرها واكتفت بدور المتفرج والمحلل أو السمسار الذي يلعب كالأراجوز على كل الحبال، إلى أن فُوجئت بضياع الأمل في عودة الدولة أو تحرير الوطن من الاحتلال. ومقابل ذلك، هناك شعوب واجهت كبرى دول العالم في حروب الاستقلال ونجحت في دحرها، فالعزيمة الصادقة تذيب كل المخاوف والتحديات".
أعتقد أن هذه الرسالة الإعلامية والسياسية تمثل بداية لما قد نسمعه ونقرأه في الأيام القادمة حول نفس المضمون. وربما يتمنى بعض المواطنين أن تُصاحبها إجراءات ضد هؤلاء المسؤولين. وخلاصتها تعكس خيبة أمل من المسؤولين الذين لم يكونوا حلفاء أقوياء، ولم يستثمروا الدعم الذي قدمته لهم السعودية وغيرها لتحقيق الهدف الأساسي من المعركة، وهو استعادة الدولة.
للأسف، لا يُتوقع الاستجابة من هؤلاء المسؤولين الذين فقدوا حاسة الحياء، وسيتعاملون معها وكأنهم لم يقرأوها، أو كما لو أنهم ليسوا معنيين، وكأنهم لم يستشعروا خطورة الوضع الحالي بالنظر للضغوطات التي تعرضت لها السعودية جراء الهجمات الحوثية، والتي عطّلت بعض مصالح الحياة، وتسببت في تأجيل الكثير من المؤتمرات والفعاليات، إضافة إلى الخسائر الناجمة عن تعطل المطارات والمصالح الاقتصادية.
فالسعودية كدولة لديها ما تخشاه على مصالحها، بينما هؤلاء لا يفكرون إلا في أنفسهم، ولا يستحضرون سيناريو أن السعودية ربما قد تضطر في نهاية المطاف إلى التفكير في مخرج سياسي وتنتهي الأمور عند هذا الحد، والنتيجة ستكون لصالح الحوثيين لأنهم الطرف القوي على الأرض.
وربما يعتقد المسؤولون أنهم وجدوا لهم أوطاناً بديلة ولديهم أموال واستثمارات ستغنيهم وسيعيشون في الخارج، وينسون أنه لو سيطر الحوثي على كامل أنحاء اليمن، فلن يتركهم في حالهم، وسيشكل لجنة لمتابعتهم.
وربما يكون الحصر بأسماء الأشخاص والممتلكات يتم بشكل مستمر لملاحقة أي مسؤول أو تاجر أو رجل أعمال أو من اغتنى أثناء فترة الحرب، وملاحقتهم في كل دولة؛ فإذا أصبح الحوثي هو السلطة الحاكمة في اليمن، سيُلاحَقون عن طريق الإنتربول، وستفرض المصالح نفسها في تعامل العالم معهم، كما حصل مع دول أخرى كانت قياداتها مصنفة كجماعات إرهابية.
هذا سيناريو ليس مستبعداً؛ فسيطلبونهم عن طريق الإنتربول وعن طريق اتفاقيات ثنائية لتبادل المطلوبين مع دول بتهم الفساد وتهم كثيرة أخرى. ويكفي أن اليمن يطل على باب المندب، وهذه ميزة بالنسبة للحوثيين يستطيعون من خلالها مفاوضة أي دولة؛ يعني إذا أرادت أي دولة تحسين علاقتها أو تقليص علاقاتها مع اليمن، ستكون المطالبة بإعادة هؤلاء وتسليمهم جزءاً من أي تفاهم مشترك، وحينها لن تنفعهم الجنسيات التي يكتسبونها ولا أموالهم.





