يا محمد آل جابر، ها أنتم اليوم تصلون إلى ما حذركم منه البعض منذ سنوات، وتشكون من نتائج سياسات كنتم ترفضون نقدها، وتحاربون كل من دعا إلى مراجعتها.!
حين حاول الوطنيون التنبيه إلى أخطاء المملكة في إدارة الملف اليمني، لم تواجهوا انتقاداتهم بالمراجعة والتصحيح، بل شيطنتم أصحابها، واتخذتم منهم أعداء، وأقصيتم أصواتا كانت تحذر من مآلات النهج الذي أصررتم عليه..
كان مؤتمر الرياض عام 2022 شاهدا على انحراف البوصلة، جمعتم أطرافا وفق حساباتكم، ثم تعاملتم معهم وكأنهم أدوات لتحقيق مصالحكم، قبل أن تتجهوا إلى حوارات ثنائية مباشرة مع الحوثيين في سلطنة عُمان، وتتبعوها بزيارة صنعاء، متجاوزين الحكومة الشرعية التي يفترض أن المملكة تقود تحالفا عربيا لدعمها وإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة..
هنا وقع التحول الأخطر: لم تكن تلك اللقاءات مجرد قنوات للتفاوض، بل أسهمت في تكريس المكانة السياسية للحوثي، ومنحته فرصة لتسويق نفسه ندا للسعودية، وتعزيز روايته بأن صراعه مع السعودية، لا مع اليمنيين الذين انقلب على دولتهم. وهكذا، وجد الحوثي في الحوار الثنائي ما يخدم روايته، فيما تراجعت الشرعية اليمنية إلى موقع الطرف التابع، وكأنها ليست صاحبة القضية والقرار والمستقبل..
واليوم تتحدث عن عدم التزام الحوثي بالعهود والمواثيق! أليس هذا تحديدا ما حذركم منه المنتقدون منذ سنوات؟ لقد نبهوا إلى أن هذه الجماعة توظف الحوار لكسب الوقت، وتستثمر التنازلات لتعزيز نفوذها، ولا تتعامل مع الاتفاقات بالضرورة بوصفها التزامات ملزمة. لكنكم أصررتم على النهج نفسه، وبدلا من الاستفادة من التحذيرات، حاربتم أصحابها، حتى وصلتم إلى النتائج التي تشكون منها اليوم..
إن إضعاف القوى الوطنية المناهضة للحوثي، وتهميش القرار اليمني، ومنح الجماعة مكاسب سياسية عبر مسارات تجاوزت الشرعية، عوامل أسهمت في اختلال موازين المواجهة، ووسعت قدرة الحوثي على المناورة والابتزاز. ولا يمكن معالجة هذا الخلل بمجرد تعداد انتهاكاته، أو مواصلة مواجهته بالأدوات ذاتها التي أخفقت في احتواء تمدده..
لسنا بصدد إثبات أن المنتقدين كانوا على صواب، بل التنبيه إلى أن فرصة تصحيح المسار ما زالت قائمة. والمطلوب مراجعة جادة للدور السعودي، تعيد الاعتبار للشرعية واستقلال قرارها، وتضع حدا لتهميش اليمنيين في تقرير مستقبلهم، وتربط أي مسار تفاوضي بضمانات واضحة تحفظ مصالحهم وتؤدي إلى استعادة الدولة، لا إلى تكريس الانقلاب..
يا محمد آل جابر، إذا كان الحوثيون يفكرون بالمطرقة فأنتم من وضع لهم المسمار ليدقوه عميقا. والمشكلة أنكم ما زلتم تصرون على ترك الحوثي يضرب هذا المسمار بالطريقة ذاتها، ثم تستغربون أنه يزداد رسوخا. لن تتغير النتائج ما دامت الأدوات والسياسات كما هي، فمواجهة الحوثي تبدأ بمراجعة الأخطاء التي أسهمت في تمكينه، لا بتكرارها، ولا بشيطنة من حذروا منها..





