من اللافت في حديث الدكتور عزمي بشارة هو قوله إنه لا يمكن حكم اليمن باستثناء الحوثيين لكونهم "جزءاً عضوياً" منه. وهنا نضع خطاً تحت كلمة "عضوي"؛ فماذا تعني من الناحيتين اللغوية والسياسية؟
من الواضح أن كلمة "عضوي" هنا ليست مرادفاً لكلمة "مكون" بالمعنى العددي أو الديمغرافي؛ فعندما يصف أحدهم جماعة ما بأنها جزء عضوي من المجتمع، فهو يقصد غالباً أنها ليست جماعة طارئة أو منفصلة عنه.
أو بعبارة أخرى، ليست جماعة أجنبية وافدة، بل هي جزء أصيل من تركيبته الداخلية، وبالتالي، وإذا كان هذا هو المقصود، فإن الحوثيين بالطبع ليسوا جماعة أجنبية جاءت من خارج اليمن، وعليه فإن القول إنهم جزء عضوي من البلاد لا يعني أنهم يمثلون اليمن كله، ولا أنهم يمتلكون حقاً سياسياً خاصاً في الحكم.
والسؤال المطروح هنا: هل كان بشارة يقصد ذلك المعنى، أم أنه يشير إلى أنهم مكون يمني لا يمكن استبعاده وخانه التعبير؟
على الأرجح أنه اختار المفردة بعناية، وهنا تكمن الإشكالية في أن حديثه يطرح مدلولاً سياسياً يتجاوز مجرد الاعتراف بالحوثيين، ذلك أنه ليس هناك مشكلة في الاعتراف بهم كجماعة مثلهم مثل غيرهم، على الرغم من أنهم في الواقع ليسوا كذلك؛ وأقصد هنا أنهم ليسوا جماعة بالمعنى الحرفي للكلمة، فهم ليسوا تنظيماً ثقافياً أو سياسياً، بل ميليشيا مسلحة ترفض حتى أن يكون لها جناح سياسي عبر ترخيص حزب أو حتى تقنين وضعها.
وحين فرضت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وقبلت جميع الأطراف اليمنية، مشاركتهم في مؤتمر الحوار الوطني وأُعطوا تمثيلاً أكبر من حجمهم الحقيقي، تم إشراكهم بوصفهم جماعة مسلحة، حتى دون أن يتوقفوا عن ممارسة العنف في أثناء فترة الحوار أو يسلموا أسلحتهم.
والإشكالية في هذا الطرح أنه يفتح الباب لاحتمال خطير من قبيل ضرورة وجود الحوثيين في السلطة باعتبارهم مكوناً تاريخياً لا يمكن تجاوز حقه السياسي لأن عبارة "لا يمكن حكم اليمن باستثنائهم" قد تُفهم على أنها تعني وجوب أن يكون الحوثيون جزءاً من السلطة في أي نظام سياسي مقبل، سواء حصلوا على أغلبية انتخابية أم لم يحصلوا عليها.
وإذا كان هذا هو المقصود، فإننا نكون أمام انتقال من الاعتراف بالحوثيين بوصفهم جماعة يمنية إلى منحهم وضعاً سياسياً خاصاً، وهذا الوضع هو ما يتحدثون عنه بصيغة أو بأخرى، معتبرين أنفسهم امتداداً للسلالة التي حكمت اليمن لما لا يقل عن أربعمائة إلى خمسمائة عام على فترات زمنية متقطعة.
أي أن لهم الحق في حكم اليمن من الناحيتين التاريخية والدينية، استناداً إلى مزاعم "الحق الإلهي" في الحكم والتفوّق العرقي المزعوم، وهو ما يتعارض جذرياً مع فكرة الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والمساواة السياسية.
وهذا الطرح يعني أن وجود الحوثيين في الحكم يُعد شرطاً مسبقاً حتى لو لم يحصلوا على تفويض انتخابي.
والسؤال هنا: ماذا لو إذا أُجريت انتخابات حرة ونزيهة، وقرر الناخبون اختيار حزب أو تيار سياسي لا ينتمي إلى الحوثيين، فهل يحق لهم فرض أنفسهم في الحكومة بحجة أنهم "جزء عضوي" من اليمن؟
خلاصة القول إن الإشكالية تكمن في الاستنتاج السياسي الذي قد يُبنى على وصف الحوثيين باعتبارهم جزءاً عضوياً من اليمن؛ فإذا كان المقصود أنهم جزء من المجتمع، وأن العملية السياسية يجب أن تراعي وجودهم، فهذا أمر مفهوم ولا يعترض عليه أحد؛ بل إن الحكومة المعترف بها دولياً وحتى السعودية تقران بوجوب أن يكونوا جزءاً من أي تسوية قادمة. أما إذا كان المقصود أنهم جزء لا يمكن تجاوزه في سدة الحكم، وأن أي نظام سياسي يجب أن يضمن لهم موقعاً ثابتاً في السلطة مهما كانت نتائج الانتخابات، فإن هذا الطرح يتعارض مع إرادة الشعب والمواطنة والدستور.





