دائماً منذ نعومة أظفارنا ونحن نسمع "الأم هي التي شالت"، وكنا نظنها مجرد مقولة عن صيرورة الحياة وكبرنا عليها. لكن اليوم تجسدت هذه المقولة في ملحمة تاريخية لم يصنعها كاتب أو فنان أو مؤرخ، بل صنعتها امرأة، أم حملت فلذة كبدها الشهيدة على كتفها لتودعها إلى مثواها الأخير.
فالمعروف أن الأم بيدها تحمل ابنتها إلى بيتها وحياتها الجديدة، بيدها وليس على كتفها، وبزغاريد وأفراح وليس بصوت الرصاص وآلة الحرب، لكن هذه الأم التعزية حملت ابنتها على كتفها لتعانق السماء بروحها الطاهرة.
وهذه ليست مجرد صورة أو سرد قصصي من الخيال، بل هي أيقونة تعز الجديدة التي هزت اليمن كله الأسبوع الماضي ثم العالم بأسره.
صورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي يوم الثلاثاء 21 أكتوبر، من على سفح جبل صبر. لم تكن جنازة عادية، لا نعش خشبي ولا سيارة إسعاف ولا موكب جنائزي، بل كانت أماً تحمل جثمان ابنتها المكفنة ببطانية حمراء، كانت تدفئها في الدنيا، على ظهرها، تصعد به الطرق الجبلية الوعرة لتصل بها إلى مثواها الأخير.
الشهيدة هي مشيرة محمد قاسم علي، حافظة لكتاب الله ومعلمة قرآن كرست حياتها لتحفيظ النساء في قرى الصراري والحيار والشعيبة والأعدان. استشهدت مع والدها المسن بقذيفة استهدفت بيتهما مباشرة في قرية العدين بصبر الموادم.
وبسبب هذا الاستهداف ومع الحصار المستمر على تعز منذ 2015 وإغلاق الطرق الرئيسية، وبعد استهداف سيارة الإسعاف التي حاولت الوصول، لم تجد الأم إلا ظهرها لتحمل عليه فلذة كبدها. مشهد وثقته الكاميرات وانتشر بسرعة البرق، فسماه الناشطون "صورة القرن" و "أم تحمل وجع وطن".
ومن رحم هذا الوجع ولدت أيقونة مجسم الصمود، صممه فنانون وناشطون تكريماً لها، وطالبوا بوضعه في جبل صبر مسقط رأس الشهيدة، ليكون تذكاراً دائماً بعد التحرير. وكتب تحته: "إلى كل أم حملت شهيداً" وتحتها الآية الكريمة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ". التمثال ليس لأم واحدة، بل لكل أم يمنية حملت ابنتها أو ابنها شهيداً على كتفها في هذه الحرب الطويلة.
لكن قصة هذه الأم التعزية المكلومة ليست استثناءً يمنياً، إنها مرآة واحدة لصمود المرأة في كل حروب منطقتنا.
ففي السودان، هي ذات الأم، لكن بثوب آخر، هي التي عبرت النيل وأطفالها على ظهرها هرباً من قصف الخرطوم ودارفور، ثم نصبت خيمة من قماش ممزق وصارت هي المدرسة والمستشفى لأطفالها. المرأة السودانية التي كانت تصنع الكسرة تحت القصف لتطعم حياً كاملاً.
وكما كانت الأم اليمنية والسودانية، كانت الأم في سوريا هي من أخرجت أطفالها من تحت ركام بيتها في حلب وإدلب بيديها العاريتين، ثم حملت ما تبقى من كتبهم على ظهرها عبر الحدود، وأصرت أن يكملوا تعليمهم في خيمة لجوء. هي من حولت خيمة اللجوء إلى بيت يحفظ القرآن ويحفظ الكرامة.
ولا تكتمل الصورة دون فلسطين، وخاصة غزة، حيث صمود المرأة أسطورة حية. أم تحمل جثمان أطفالها الأربعة مرة واحدة وتقول "حسبنا الله ونعم الوكيل". أم تلد تحت القصف في مستشفى بلا كهرباء، وأم تخبز على الحطب لتطعم من بقي. المرأة الفلسطينية علمت العالم أن الأمومة مقاومة بحد ذاتها.
ويمتد هذا الخيط إلى لبنان، من جنوبه إلى بيروت، حيث هي الأم التي رفضت مغادرة بيتها رغم القصف، وبقيت تفتح بابها للنازحين، وتقسم رغيفها بين أبنائها وأبناء الجيران. هي التي لملمت صور عائلتها من تحت ركام انفجار المرفأ وقالت: سنبقى.
*وما يجمع هؤلاء النساء جميعاً* ليس فقط الألم، بل القدرة العجيبة على تحويل الفقد إلى فعل بقاء. فالرجل في الحرب يقاتل، لكن المرأة في الحرب تحمل أعباء الحياة كلها، تحمل الجثة، وتحمل الطفل الحي، وتحمل البيت، وتحمل الذاكرة، وتحمل الوطن كله على ظهرها وتمشي به فوق الجبال والحدود والركام دون أن تسقط، تتحدى بقوتها وصبرها لتبني وطناً من ركام آلامها.
لذلك، فتمثال جبل صبر اليوم لا يخص تعز وحدها. هو تمثال لكل أم في الخرطوم قالت لابنها "اصبر"، ولكل أم في غزة حفرت قبر ابنها بيدها، ولكل أم سورية حملت دفاتر أطفالها عبر البحر، ولكل أم لبنانية مسحت دموعها وفتحت مطبخها للجميع.
إذا كانت الحرب تقاس بعدد القذائف، فالصمود يقاس بعدد الأمهات اللواتي حملن أوطانهن على ظهورهن ولم ينكسرن.
وهنا نؤكد بان قرار النصب التذكاري هو القرار الحقيقي الذي يجب أن يخلد: أن يبقى هذا التمثال في أعلى جبل صبر، شاهداً على أن أقوى سلاح ضدد الحوثي المجوسي وستنتصر اليمن بصمود شعبها نساء ورجال كل فئات المجتمع
أيقونة صبر تعز ستظل معلماً من معالم الزمن ومدرسة في التحدي والصمود. بدأنا بمقولة "الأم هي التي شالت" وانتهينا بحقيقة أثبتتها هذه الأم: أن الأم حين تشيل، فإنها لا تشيل ابنها فقط، بل تشيل وطناً بأكمله فوق كتفها وتمضي به نحو الخلود. رسالتها واضحة: كل آلات الحرب إلى زوال، والوطن باقٍ ببقاء أمهاته، شامخ قوي لا ينكسر.





