اعتمدت المليشيا الحوثية في استراتيجيتها العسكرية تجاه تعز على مبدأ التدفق البشري الكثيف ،ونظرية الصدمة والترويع، حيث حشدت القوات ووجّهت الأرتال مسكونةً بزخم الاندفاع المتواصل الذي يشبه تدفق السيول الجارفة في بطون الأودية، مرتكزة في ذلك على فرضية واهية تزعم أن الكثرة العددية والعتاد الثقيل كفيلان بفتح الطريق وتذليل كل العوائق الحية والجامدة.
لكن غاب عن غطرسة هذه القوة ونشوتها الزائفة أن بطون الأودية في العلم العسكري هي مناطق قتل نموذجية إذا ما واجهت دفاعاً مستميتاً ومنظّماً، فالجغرافيا لا تحمي المندفعين بل تطوقهم، والسيل الذي يتحرك في مسار ضيق ومرسوم يصبح صيداً سهلاً لمن يمتلك قرار السيطرة على المرتفعات ويمتلك قبلها عدالة القضية وعقيدة الدفاع عن الأرض والعرض.
وحين وصلت تلك الأرتال المدججة بوهم الحسم إلى مشارف تعز، صدمت بحقيقة أن المدينة ليست طريقاً ترابياً مفتوحاً للعبور نحو تثبيت أركان الانقلاب والاستبداد، بل تحولت إلى ميدان تتعثر فيه أعتى الحسابات وتتحطم على أسواره أوهام الحشود، بعد أن أثبتت المقاومة الشعبية مسنودة بالجيش قدرة فائقة على ترويض هذا الاندفاع الأعمى وتحويله إلى نقطة مقتل حقيقية للمهاجمين.
وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال تكتيك الاستنزاف المستمر والمفاجآت الميدانية النوعية التي أفقدت المليشيا ميزة المبادأة، وجعلت كلفة كل متر يحاولون التقدم فيه باهظة للغاية بشرط استدراجهم إلى منزلقات جغرافية وبشرية لم تكن في حسبان قادتهم ومخططيهم.
إن العبرة السياسية والعسكرية التي يسطرها الميدان في تعز اليوم تعيد التذكير بأن القوة الغاشمة الخالية من القراءة الحقيقية لطبيعة الأرض وعمق إرادة الشعوب هي انتحار استراتيجي محتوم، فليس كل سيل يتدفق بغزارة يملك القدرة على بلوغ غايته وتغيير معالم الجغرافيا بالضرورة.
إذ قد يكون المنحدر الذي يسرع فيه الظمآن للسلطة هو ذاته الهاوية التي تنتظره لابتلاع أوهامه في نهاية الممر. وهذا هو الموعد والمآل الذي لم يُحسن الحوثي حسابه ولم يستقرأ تبعاته، لتبقى تعز مدينة عصية وشامخة بصمود أهلها، ويخرج السيل من واديها منكسراً ومتلاشياً بلا مصب.





