حين تساقطت شظايا الصاروخ الحوثي فوق «وادي المغمس» على مشارف مكة المكرمة، يوم السبت 24 أكتوبر الجاري، بعد أن اعترضته قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي، حضرت حكاية أبرهة من كتب التاريخ. ففي ذلك الموضع عسكر جيشه قبل خمسة عشر قرناً، وهناك برك فيله «محمود» ورفض التقدّم نحو الكعبة. لم يكن الفيل صاحب دعوة دينية، ولم يقدّم نفسه مرجعاً في تفسير القرآن. ومع ذلك، عرف أين يتوقّف.
وفي تعز، يستمر الحصار منذ عام 2015. ظلّت المدينة تتنفّس عبر منفذٍ وحيد إلى عدن، ثم أضافت إليه لاحقاً طريق «البئرين – المخا». ومنذ مطلع سبتمبر الماضي، قطع الحوثي الشريانين معاً، وأطبق الحصار عليها من الجهات الأربع. وفي أواخر أكتوبر، صارت المدينة تستعيد من كتب التاريخ فصول «حصار السبعين» حول صنعاء بين عامَي 1967 و1968، ولكن من دون حاجة إلى القراءة.
في الخامس من أكتوبر، أعلن الرئيس رشاد العليمي انطلاق عملية «فجر اليمن» لاستعادة الدولة. وأقرّت حكومة الزنداني مشروع قانون يصنّف الجماعة «منظمة إرهابية»، وجمّد البنك المركزي أصول 135 فرداً وكياناً وناقلة نفط، ثم أتبع ذلك، في 28 أكتوبر، بحجز ست محافظ ومنصات مالية حوثية.
ومع هذه الإجراءات، تريّث البرلمان في المصادقة النهائية، فيما أبقى العليمي باباً للعمل السياسي: تسليم السلاح للدولة، والتحوّل إلى حزب يتنافس في صناديق الاقتراع. عرضٌ لا يبدو معقّداً، لولا أنه يشترط وجود ناخبين.
وللجماعة وأسلافها تجربة سابقة معهم. فبعد الوحدة اليمنية عام 1990، أعلن سادة «حزب الحق» إقرارهم بحق الأمة في اختيار حاكمها. وحين جرى الاختيار، حصلوا على 0.8 في المئة من الأصوات عام 1993، ثم 0.2 في المئة عام 1997، وصولاً إلى ستة آلاف صوت في انتخابات 2003، أي نحو 0.1 في المئة.
يروي المؤرخ زايد جابر أن حسين الحوثي قال يومها: «هذه الانتخابات لن توصلنا ولو بعد ألف عام». كان يمكن أن يقود هذا الاكتشاف إلى مراجعة البرنامج، لكن المراجعة طالت وسيلة الوصول إلى الحكم. غادروا الصندوق، وبقي حق السلالة.
أما شروط الإمام الاثنا عشر في الفقه الزيدي، فلها، في الرواية التي ينقلها جابر، معالجة أقدم. قيل للشيخ مبخوت الأحمر، جدّ الشيخ المرحوم عبد الله بن حسين، إن الإمام يحيى حميد الدين بخيل ينقصه شرط الكرم، فأجاب: «ما نقص من الشروط وفّيناه بالصميل!». والصميل هراوة غليظة؛ أداة لا تحتاج إلى اجتهاد فقهي طويل.
قرأتُ هذا الأسبوع كتاب الباحث أحمد الزرقة «من الزيدية إلى الحوثية»، واستعنتُ بقراءات ومتابعات لحوارات عبد الرحمن الراشد، وزايد جابر، وماجد المذحجي، وعضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي، والصحفي العُماني الدكتور محمد العريمي. ما يجمع هذه القراءات، في تقديري، هو السؤال عن انتقال جماعة من ادّعاء الحق الديني إلى امتلاك مؤسسات الدولة، ثم استخدامها لإعادة تشكيل المجتمع.
من هنا أرى أن الخطر الحوثي أعمق بنيوياً من خطر «داعش». لم يكتفِ بالقتال خارج الدولة، بل دخل مؤسساتها، وأبقى أسماءها، وغيّر وظيفة كثير منها. تستطيع أن تحتفظ بمنصب رئيس الجمهورية، على أن يصبح صاحبه، بتعبير ورد في تلك الحوارات، «سكرتيراً عند عبد الملك».
يتحسّر المذحجي على المسافة بين عالم يناقش «وكلاء الذكاء الاصطناعي» وجماعة لا تزال تناقش حق «البطنين» في حكمه. وفي الجوار، طوى الرئيس السوري أحمد الشرع صفحة الماضي ومدّ يده للمملكة وللعالم، بينما بقي الحوثي أسير خطابه القديم وأحلام الوصول إلى «دمشق الأموية». الأول يريد أن يُعامَل كرجل دولة، والثاني يريد للدولة أن تُعامَل باعتبارها حقاً موروثاً.
يقول عثمان مجلي إن عبد الملك «لا يحمل حتى شهادة ابتدائية»، بينما يخاطبه علماء جاوزوا المئة بـ«سيدي ومولاي»، ويُقدَّم بوصفه «قريناً للقرآن». لا تتعلّق المسألة هنا بالشهادة الدراسية وحدها، بل بعلاقة تسمح لصاحب السلطة بأن يصبح مرجعاً لمن يُفترض أنهم أهل العلم.
ويسخر مجلي من الحديث عن التصنيع العسكري الحوثي؛ فالخبراء الإيرانيون واللبنانيون، بحسب روايته، يركّبون الصواريخ في صعدة، ثم يظهر عبد الملك على الشاشة. توزيع واضح للعمل، وإن اختلفت الرواية التي يسمعها الجمهور.
أما المادة الفكرية، فقد أُتيحت للمذحجي فرصة قراءتها في ظروف لا يختارها القرّاء عادة. وضع الحوثيون معه في زنزانته ألفَي صفحة من «ملازم» حسين الحوثي، فقرأها، كما قال، «مضطراً بسبب الملل»، في تعذيبٍ إضافي لم يكن يحتاج إليه. وحين خرج، لم يتذكّر منها شيئاً؛ لأنها «بسيطة إلى حد الفقر».
غير أن عبارة واحدة منسوبة إلى حسين الحوثي تبدو أكثر قدرة على تفسير الممارسة: «لن نذهب لنجاهد في لندن وواشنطن، بل سنقاتل أدواتهم هنا».
وفق هذه القاعدة، يمكن أن يتّسع تعريف «الأدوات» ليشمل الخصوم في الداخل والجوار، فيما تبقى العواصم المذكورة بعيدة. ويشير الراشد إلى مرور السفن الإسرائيلية بسلام في باب المندب، في ظل تفاهم ضمني، بينما تتجه الصواريخ والمسيّرات إلى مطار الملك خالد بالرياض، حيث قُتل تسعة عشر مسافراً وأُصيب المئات من المعتمرين بملابس الإحرام، وإلى محطة كهرباء المدينة المنورة، ثم إلى مكة المكرمة.
وعقب فشل الصاروخ، نصب أتباع الحوثي في ذمار مجسّماً كرتونياً للكعبة وطافوا حوله. سمّاه يمنيون «الاكتفاء الذاتي في الشعائر المقدسة». كانت العبارة أقصر من أن تحتاج إلى تعليق.
ويستعيد زايد جابر تحذير مرجع الزيدية، العلّامة مجد الدين المؤيدي، حين رأى بدايات الجماعة في صعدة، بعد عودة بدر الدين من «قُم» عام 1982، وقوله: «والله إن هذه الفئة أشد خطراً على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى». أهمية الشهادة أنها تأتي من داخل البيئة المذهبية التي تتحدث الجماعة باسمها، لا من خصومها وحدهم.
وفي مؤتمر الحوار بفندق «موفنبيك» صنعاء، ظهر ممثلوها بالبدلات، وتحدثوا بلغة مدنية ويسارية، بينما كانت نقاطهم في صعدة تعتقل من يستمع إلى الأغاني أو يخالف معاييرهم في اللباس. لم تكن المشكلة في قدرتهم على تعلّم مفردات السياسة، بل في المسافة بين استعمالها في قاعة المؤتمر وتطبيقها خارجه.
أما علاقتهم بإيران، فتفسّر جانباً من هذه المسافة بين القول والفعل. فالوكيل الذي يعتمد على الحرس الثوري وحزب الله في المخابرات والأنفاق والتسليح لا يملك حرية مراجعة حساباته منفرداً. وحين يفقد النظام الإيراني قيادات ويتراجع مشروعه في الشام، تصبح الجبهة اليمنية وسيلة متاحة للضغط على الخليج وبلاد الحرمين.
والمفارقة، كما يقرأها الراشد، أن طهران قد تمهّد خلال سنوات لتفاهمات مع إسرائيل. وفي الوقت نفسه، ينشر سفيرها بالرياض، صور فتيات سافرات في شوارع طهران، مقدّماً إياها باعتبارها «مدينة السلام». يستطيع الأصيل تغيير خطابه وفق مصلحته، أما الوكيل فيُطلب منه الثبات على الخطاب إلى إشعار آخر.
كيف استطاعت أقلية، يقدّرها الراشد بخمسة في المئة، ابتلاع دولة وجيش؟ يقود السؤال إلى حسابات الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.
ينصف مجلي عهد صالح بوصفه عهد دولة ومؤسسات ورواتب منتظمة، ويرى أن الرجل لم يكن متواطئاً مع طهران، بل ظنّ أنه يستطيع احتواء الحوثيين لموازنة خصومه. وكانت «أحزاب اللقاء المشترك»، في هذه القراءة، تضغط على الدولة وتتقاطع سياسياً وإعلامياً مع تمرد صعدة، وتقدّم حروب الجيش عليه باعتبارها اعتداءً على معارضين.
تجاهل صالح نذير «جامع الهادي» عام 2002، ثم أرسل عام 2004 لجنة وساطة لإحضار حسين الحوثي. يروي مجلي أنه قال له: «ذلحين تدي الهرّ (القط) على الشحمة ياكلها؟!». وحين انتهت الحرب الأولى بمقتل حسين الحوثي، لم تنتهِ الجماعة. وبعد العفو عنها إثر وساطة 2008، حذّر مجلي صالح من أنها ستغدر به، مستشهداً بما فعله أتباع مقتدى الصدر بصدام حسين.
وفي روايته أيضاً، نقضت الجماعة 43 هدنة، وكان جنرال الحرس الثوري عبد الرضا شهلائي يدير معركة صعدة، فيما دفع القذافي نصف مليار دولار في «سرت» نكايةً بالمملكة. ويتحدث عن «المستشفى الإيراني» بصنعاء بوصفه مركزاً للعمل الاستخباراتي؛ يدخل المسؤول المخترَق بحجة المرض، ويسلّم المعلومات، ثم يخرج بالدولارات والتوجيهات. لم يكن المغص المعوي، في هذه الرواية، مرضاً مكلفاً لصاحبه، بل للدولة.
وقبل ديسمبر 2017 بشهرين، سافر مجلي سرّاً إلى «فورسيزونز» القاهرة ليحذّر مبعوث صالح من قرار تصفيته. لكن التحذير جاء متأخراً؛ انتفض صالح، وقُتل مقاتلاً في قرية الجحشي، على مقربة من مسقط رأسه بسنحان. انتهت بذلك محاولة احتواء الجماعة إلى مقتل الرجل الذي ظنّ أنه قادر على استخدامها.
اليوم، تبدو موارد الحكم أكثر وضوحاً من برنامجه. رُفعت أسعار الوقود مرتين في أسبوع، وتُجبى ثلاثة أضعاف جمارك الشرعية، ويُفرض «الخُمس» لبني هاشم. وتذهب سبعة مليارات دولار سنوياً إلى الصواريخ والأنفاق وتجارة «الكبتاغون»، بينما تُترك رواتب الموظفين لـ«اليونيسف». أما القرويون الذين أُعيدت إليهم سخرة «العكفة والخطاط»، فيُقال لهم إن الجزاء في الآخرة. توزيع للنفقات يؤجّل مستحقات الناس وحدهم.
ومن أين تصل الصواريخ إلى مقاتلين بـ«الشبشب والآر بي جي»، على تعبير الراشد؟ يتحفّظ الرجل على اتهام جارة بلا دليل، ويرجّح دور «مهرّب مسكين». وفي المقابل، يعرض اللواء الركن تركي المالكي شاحنات مضبوطة، تضم مخابئ ملحّمة بالغراء تتّسع لأربعة وعشرين صاروخ «كورنيت» إيراني. لا تبدو الحمولة متناسبة مع تواضع الوصف.
ومن مسقط، يقول الدكتور محمد العريمي إن تعنّت الحوثي أفشل الوساطات العُمانية؛ تعود الوفود من صنعاء بالعسل واللوز والزبيب، من دون اتفاق. ويتهم سماسرة المعابر الداخلية بتمرير الكونتينرات بـ«الشمع الأحمر» مقابل رشاوى تُدفع في مقاهي القاهرة. بين هدايا الوساطة وبضائع التهريب، يبقى اليمني ينتظر فتح طريق.
يدافع الراشد عن الشرعية باعتبارها الغطاء الدولي الوحيد، ويشبّهها بشارل ديغول حين أدار تحرير فرنسا من لندن، ويردّ على من ينشغلون بالسؤال: لماذا يقيم المسؤول في الماريوت لا في الشيراتون؟
ومن تعز، أقول إن اسم الفندق ليس هو السؤال. السؤال: متى يُفتح الطريق، ويعود الموظف إلى راتبه الذي كان يغطي احتياجاته، ويصبح السلاح بيد دولة لا تحتاج إلى إذن من خارجها كي تحمي مواطنيها؟ بهذا يُقاس «فجر اليمن»، لا بعدد البيانات التي تعلنه.
أما عند «وادي المغمس»، فالمفارقة أبسط: لم يحتج فيل أبرهة إلى ادّعاء القرابة بالقرآن ليعرف أن الطريق إلى الكعبة ليس طريق حرب.





