الخميس، 29 أكتوبر 2026 | الموافق ١٧ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الرأي

قيادة المرأة ليست ديكوراً.. إنها أساس بناء الدولة

الصحفيون في اليمن... حاضرون في نقل الحقيقة ومنسيون في نيل الحقوق

"قيادة المرأة ليست مجرد حقوق، بل هي ركيزة أساسية لبناء سلام عادل ومستدام"  في جلسة لمجلس الأمن حول المرأة والأمن والسلام، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن مساهمة المرأة في بناء مجتمعاتها وإرساء السلام ليست مساهمة رمزية، داعياً إلى اتخاذ إجراءات ملموسة للوفاء بالوعود وضمان مشاركتها في صنع السلام.

قالها الأمين العام أمس، عبارة من القلب تختصر كل ما حاولنا قوله لسنوات. هذه ليست مجاملة دبلوماسية، بل حقيقة حفرتها النساء في الصخر في الميدان قبل أن تُكتب في تقارير الأمم المتحدة.

اعتدنا أن نتعامل مع وجود المرأة كـ "تكملة عدد"، مقعد يُضاف لإرضاء المنظمات، أو صورة تُؤخذ للذكرى وتجاهلاً لأهمية وجودها الحقيقي في المشاركة الفعلية، وغالباً لمجرد كتابة تقرير للحصول على دعم. لكن الحقيقة التي أثبتتها الحروب هي أن المرأة لم تكن يوماً رقماً زائداً أو عبئاً مجتمعياً، بل هي الركيزة التي بقيت ثابتة كالصخر حين سقط كل شيء.

فالرجل يحمل السلاح ليقاتل، أما المرأة فتحمل الدولة كلها لتحميها من الداخل.

رأيناها في تعز، أم تحمل جثمان ابنتها الشهيدة على ظهرها وتصعد جبال صبر الوعرة، لأن سيارة الإسعاف استهدفت والطرق مغلقة. هذه لم تكن مجرد جنازة، بل كانت إعلاناً بأن الدولة قد تسقط، لكن قوة الأم لا تسقط، وأن وجود المرأة ليس له حدود.

ورأيناها في وزارة الخارجية، حيث أثبتت الوزيرة الدكتورة أفراح الزوبة أن الوزارات السيادية ليست حكراً على الرجل. فمنذ أن تولت حقيبتها وهي تحمل أمانة وطن جريح، وتسعى لإخراجه من عنق الزجاجة، حاملة هم وطن في المحافل والمؤتمرات واللقاءات الرسمية مع نظرائها في مختلف الدول العربية والدولية لتنقل صورة ما يتعرض له بلدها.

وهنا نفهم المعنى العميق لقول غوتيريش "ركيزة أساسية". فهو يريد القول إن السلام العادل لا يُبنى بالبنادق ولا بالمفاوضات
فقط، بل يُبنى بمن يملك القدرة على تحويل الفقد إلى فعل بقاء، وهذه قدرة لا تجيدها إلا النساء.

لماذا الأمين العام أكد على لفظ "ركيزة"؟

لأنها قادرة أن تكون صرخة حين يصمت الجميع. عندما يصمت الرجال خوفاً من آلة الحرب فهي تصرخ باسم ابنها الشهيد، وباسم حقها في الحياة، وباسم قريتها المحاصرة. صرختها ليست عاطفة، بل موقف ورسالة مفعمة بالبقاء لكسر الحصار وإنهاء الحرب

فالدولة التي تدمرها الحرب لا يعيد بناءها خطاب سياسي، بل يعيد بناءها من تصنع الخبز تحت القصف، ومن تحفظ القرآن في الخيمة، ومن تعلم الأطفال في العراء، ومن تسير في الوديان حافية القدمين لجلب

إننا اليوم في اليمن وفي كل الدول التي تعاني ويلات الحروب، لا نطالب بوجود المرأة من باب المناصفة الشكلية، بل لأن استعادة الدولة بدونها مستحيلة. فأي حوار، وأي حكومة، وأي مصالحة، وأي إعادة إعمار، بدون المرأة على طاولة القرار، هو بناء على رمل.

لقد أثبتت أم جبل صبر أن ظهرها أوسع من كل الخرائط العسكرية، وأثبتت الدكتورة أفراح الزوبة أن مقعد الخارجية يتسع لصوت المرأة حين يكون صوت وطن. المرأة ليست ضيفة على طاولة السلام، بل هي الطاولة نفسها.

كلمة غوتيريش ليست توصية، بل شهادة شاهد عيان: رأى العالم كله من يحمل الجثة، ومن يحمل الطفل، ومن يحمل الحقيبة الدبلوماسية في آن واحد.

لذلك، لا تضعوا المرأة في الصورة لتجميل المشهد، ضعوها في موقع القرار. فنحن لا نريد قراراً يتيماً بتعيين وزيرتين فقط، ووزيرة بلا وزارة. نريد تمكيناً حقيقياً يبدأ من رئيسة قسم ومديرة ووكيلة، وصولاً إلى كل الوزارات السيادية.

فالمرأة لم توضع في دائرة مغلقة خاصة بها لخنقها، بل وجدت لتبني الدائرة الأوسع: دائرة الوطن. وإذا كان صمود الأمس كان ظهر أم، فإن بناء الغد لن يكون إلا بقيادة امرأة تقول: لا للحرب، ونعم لحياة تستحق البقاء