في النصف الأول من القرن العشرين. كان الملك عبدالعزيز والامام يحيى يحكمان في زمن واحد و بيئة متشابهة وظروف صعبة، وهذا كله قبل النفط.
قراءتي في هذا المقال ليست مقارنه بين ملك وإمام، بل بين عقليتين و فكرتين مختلفتين عن الحكم. هل الناس موجودون من اجل السلطة، أم السلطة موجودة من اجل تحسين حياة الناس.
في 1928 اعتمد الإمام يحيى نظام الرهائن القبلية. كل فخذ في القبيلة تسلم احد ابنائها الى الامام يبقى محتجز عنده الى مالانهابه كضمان للولاء. لم يكونوا مجرمين ولا أسرى حرب، كانوا أبناء قبائل يدفعون حريتهم حتى يشعر الامام بالأمان. الفكرة واضحة، أنا لا أثق بالمجتمع لذلك سأحتجز بعضه.
في نفس الفترة كان الملك عبدالعزيز يفكر بطريقة أخرى. في 1926 خفض الرسوم الجمركية على المواد الغذائية الأساسية مثل القمح والشعير والسكر والزيت بعد موجة جفاف وغلاء. لم يكن قرار مالي فقط، كان اعتراف أن استقرار الدولة يبدأ من قدرة الناس على ايجاد الطعام و الأكل.
بعدها بسنوات بدأ عبدالعزيز تستورد معدات زراعية وتوزعها على المزارعين السعودين بأسعار رخيصة وتقسيط ميسر وأعفاءهم من الجمارك.
ومع الوقت توسعت الفكرة حتى أنشئت المديرية العامة للزراعة في 1948 وجاءت مضخات الري والحفارات ووزعت البذور وقدمت قروض تجاوزت مليون ريال في 1950.
وهنا نكتشف ان الملك بدالعزيز حاكم كان يسعى كيف يساعد الفلاح ينتج أكثر،بينما الإمام يحيى كان لديه شبكة كاملة من المخمنين والقباض والعسكر ،مهمتهم مراقبة ما تخرجه الأرض وما يملكه الناس من مواشي وخضار.
اليمن كان بلدا زراعيا غنيا، لكن الجباية كسرت ظهر المنتج وضعفت رغبته في العمل والاستقرار.
وهنا نكتشف ان يحيى حميد الدين حاكم كان يحول نفس المحصول إلى مورد جباية.
في منتصف الأربعينيات تفيد مصادرنا التاريخيه عن حدوث مجاعة في اليمن مات فيها الناس بالالوف جوعا بينما مخازن الإمام مليئة بالحبوب. وعندما عرض على الامام ان يفتح بعض المخازن ويقرص الناس مايسد رمقهم اجابهم من مات جوعا فهو شهيد ومن عاش فهو عنيق
حاكم يخزن الطعام وشعبه يموت. هذه ليست سوء إدارة، هذه عقلية حكم اماميه كاملة.
الفرق يظهر في كل شيء.
في التعليم أنشأ عبدالعزيز مديرية المعارف في 1926 ومعهدا علميا في مكة وأرسل طلابا إلى مصر والعراق وافتتحت مدرسة تحضير البعثات في 1937 ثم وزارة المعارف في 1953.
كان بطيئا لكنه مشروع دولة. الإمام كان يتعامل مع التعليم كخطر. المدارس العلمية في صنعاء كانت محصورة في الدين، وأي مدرسة نظامية كانت مرفوضة لأنها قد تدخل أفكارا من خارج دائرة الإمامة.
في الصحة فتحت السعودية أول مستشفى حكومي في مكة حوالي 1925 ثم توسعت إلى جدة والرياض وأنشئت مصلحة الصحة العامة في 1949. خدمات بسيطة بمقاييس اليوم لكنها كانت موجودة وتكبر.
في اليمن الطب الحديث كان شبه غائب، المستشفى الوحيد المعروف هو العسكري في صنعاء في الأربعينيات بمساعدة إيطالية، ولما ضربت الكوليرا في 1937 لم تكن هناك بنية تتعامل معها.
في الطرق والاتصالات اهتم عبدالعزيز بها كضرورة عسكرية ثم اقتصادية، طريق مكة جدة ولاحقا الرياض الدمام وخطوط التلغراف والهاتف وأنشئت إدارة الأشغال العامة في 1945.
لم تكن كافية لكنها كانت ضمن فكرة أن الدولة يجب أن تتحرك. الإمام يحيى كان يخاف من الطريق لأنها تسهل حركة الناس والأفكار، وما وجد منها كان لأغراض عسكرية ضيقة تخدم سلطته واليمن بقي معزولا وهذا كان مقصودا.منه عز اليمن عن بعضه وعن العالم
ماليا بنى عبدالعزيز نظام جمارك ومالية تدريجيا وكان الحج مصدر دخل مهم ثم جاء النفط في 1938 وغير كل شيء، لكن حتى قبل النفط كانت هناك محاولة لبناء نظام دوله منظم. الإمام اعتمد على الجباية المباشرة والعملة كانت مضطربة ولا يوجد نظام مالي مركزي.ولاعمله وطنيه
عسكريا تحولت قوات الإخوان عند عبدالعزيز إلى جيش نظامي وتأسست وزارة الدفاع في 1943 مع مدارس عسكرية وسلاح مستورد. جيش الإمام كان أقرب لتحالف قبلي مسلح واستخدم أكثر كأداة قمع داخلي.
خارجيا كان عبدالعزيز كان حاكما عصريا ، تحالف مع بريطانيا ثم اتجه لأمريكا ودخل عصبة الأمم في 1930 ووقع معاهدات مع جيرانه. الإمام كان منغلقا ورفض الانضمام للعصبة لسنوات وعلاقاته محدودة وحذرة.
حتى مع القبيلة، الملك عبدالعزيز حاول دمجها بالزواج والتحالفات والمجالس المفتوحة. لم يكن يثق بها تماما لكنه لم يحتجز أبناءها رهائن . الامام يحيى تعامل معها كتهديد، رهائن ومراقبة وجباية ثقيلة.
الملك عبدالعزيز بنى شرعيته على قبول الناس ورضاهم وأسس مداميك دوله حديثه إدارات وجيشا وتعليما. الامام يحيى اسس شرعينه على النسب العلوي والخرافه المقدسه و القوه المسلحه والدمويه والتحزيش بين القبائل وضرب بعضها ببعض
وهنا تعتقد ان الدولة لا تقاس بنسب الحاكم ولا بذهبه ولا بعدد حراسه وسجونه وكمويته ، تقاس بما توفره للإنسان من أمن وكرامة وفرصة حياة كريمه.
عبدالعزيز تعامل مع الفلاح السعودي كمنتج يجب تمكينه، والإمامة تعاملت مع الفلاح اليمني كمورد يجب تحصيله. واحد استورد الآلات لتزيد الأرض إنتاجا، والثاني أقام نظاما يحضر فيه مندوب الامام عند كل ثمرة.
المقارنه هنا ليست عن شخصين ماتا وانتهيا، المفارقه عن عقلية تترك بعدها.الامام يحيى ترك عقلية الخوف من الشعب وخوف الشعب من الحاكم وعدم الثقة وأن بقاء الخاكم يأتي بالقوة، وهذه العقلية لا تموت بموت صاحبها بل تتواث للهاشميين من بعده كماهو ورثها ممن اسلافه .
عبدالعزيز ترك اتجاها آخر، أن بقاء الدولة مرتبط بقدرتها على تحسين حياة الناس. وهذا هو الفرق الذي يفسر لماذا الهاشميون ليسوا رجال حكم ولا رجال دولة وماذا تتقدم مجتمعات حين تكون الدولة في خدمة الإنسان وتتأخر حين يصبح الإنسان في خدمة بقاء السلطة





