فـي السياسة كما في ميادين الصراع، يخطئ من يظن أن النصر تصنعه القوة وحدها، أو أن كثرة الإمكانات تكفي لصناعة الغلبة.
فـ الأسـباب تُؤخـذ، والخطط تُحسَّن، والصفوف تُرتب، والإرادة تُبنى، لكن النتيجة في نهاية المطاف بيد الله تعالى.
قـال سبحانه: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾. وهذه ليست دعوة إلى ترك الأسباب، بل تأكيد على أن الأسباب مهما عظمت لا تستقل بصناعة النتائج؛ ولذلك جـاء التوجيه القرآني جامعًا بين الإعداد والتوكل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.
وفـي اللحظة الفاصلة قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾؛ إشـارة عميقة إلى أن فعل الإنسان لا ينفصل عن توفيق الله، وأن الأخـذ بالسبب لا يعني نسيان مسبب الأسـباب.
ومـن هـنا؛ فـإن الحديث عن النصر في واقعنا اليمني لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعارات تُرفع عند الانتصار، ثم تُنسى عند أول اختبار.
فـ النـصر له أسباب؛ وحـدة الصف، وصدق النـية، وحسن الإدارة، والانضباط، وترتـيب الأولويات، وتـقديم مصلحة الوطن، والابتـعاد عن الفرقة، وإسـناد الأمر إلى أهله، وتحويل القـوة من حالة متفرقة إلى إرادة وطنية تعرف أين تتجه ولماذا.
وقـد يكون من أعظم أسباب النصر أن يعرف الإنسان قدره، فلا يغتر بقوته، ولا ينسب الفضل كله إلى نفسه؛ فكم من قـوة ظنت أن النصر مضمون، فإذا بها تتعثر حين غاب عنها التوفيق، وكم من قلة استعصت على الهزيمة حين اجتمعت لها أسباب الصبر والثبات وحسن التدبير.
ومـن سنن الله التي لا تتخلف أن النصر غالبًا يُسبق بابتلاء يُصفّي الصفوف، ويميّز الصادق من المتذبذب، ويُخرج ما في القلوب، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾.
فـ ليـس تأخّر الفتح دليلَ انقطاع الطريق، بل قد يكون مرحلةً من مراحل التمحيص، وقد قال سبحانه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾؛ ليعلم المؤمن أن الفرج قد يأتي في أحلك اللحظات، وأن الثبات في زمن الابتلاء هو أعظم أسباب النصر بعده.
فـ مـن صبر على الطريـق، وثبت على الحق، ولم يتعجل النتائج، كان أحقّ بالفتح حين يأذن الله به.
ولـهذا فإن شـكر الله بعد كل فتح ليس أمرًا ثانويًا، بل هو وعي بمعنى النعمة ومسؤولية المحافظة عليها.
اذكـروا الله واحمدوه مع كل فتح؛ فالنصر نعمة، والنعمة مسؤولية، والفتح الحقيقي هو الذي يقود إلى مزيد من الثبات والإصلاح ووحدة الصف.
إن العاقـبة ليست لمن يرفع صوته أكثر، ولا لمن يملك أدوات القوة وحدها، وإنما لمن أحسن الأخذ بالأسباب، وثبت على الحق، ووحّد صفه، وصبر على طريقه، واستعان بالله دون أن يتخلى عن واجبه في العمل والإعداد.
ومـن هذا المـقام، نـسأل الله تعالى التوفيق والسداد لكل المرابطين في الثغور، وأن يثبت أقدامهم، ويحفظهم بعينه التي لا تنام، ويكتب لهم النصر والتمكين، ويجعلهم أسودًا لله في أرضه، حماةً للحـق والوطـن.
اللـهم يسّر ما تعسّر من الأمر، وافتح ما استُغلق، وقرّب ما استُبعد، وألّف بين القلوب، ووحّد الصفوف، واكتب لليمن وأهله الأمن والعـزة والكرامـة.
اللـهم إنّا لا نسألك النصر بلا سبب، فوفّقنا لأسبابه، ولا القوة بلا هداية، فاهدنا إلى سواء السبيل، واجعل عاقبتنا خيرًا، وتمام أمـرنا رشـدًا.
النـصر من عـند الله، والتوفـيق منه، والعاقـبة للمتقين بإذن الله تعالى..





